اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢ أيلول ٢٠٢٦
محمد البكر
حضور ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في ختام بطولة كأس العالم للرياضات الإلكترونية في باريس 2026 لم يكن مجرد مشهد بروتوكولي في نهاية حدث عالمي، بل كان الرسالة الأوضح في هذا المشهد كله، الرسالة تحمل أن السعودية لا تنظر إلى الرياضات الإلكترونية باعتبارها نشاطاً ترفيهياً فقط، وإنما تتعامل معها كجزء من اقتصاد المستقبل وصناعة تتقاطع فيها التقنية والترفيه والسياحة والفعاليات وصناعة المحتوى والاستثمار.
ما حدث في باريس لم يكن مجرد ختام لبطولة عالمية للرياضات الإلكترونية، كان مشهداً يستحق أن نتوقف عنده طويلاً؛ لأن الصورة التي ظهرت في العاصمة الفرنسية تحمل في تفاصيلها الكثير مما يتجاوز نتيجة مباراة أو تتويج بطل أو امتلاء مدرجات قاعة أكور أرينا، بطولة بدأت من الرياض ثم وجدت نفسها بعد عامين فقط تحط رحالها في واحدة من أشهر عواصم العالم وسط حضور جماهيري كبير واهتمام دولي متزايد.
القصة أن الرياضات الإلكترونية لم تعد تلك المساحة التي ينظر إليها البعض باعتبارها مجرد ألعاب يقضي فيها الشباب أوقات فراغهم، بل أصبحت صناعة عالمية لها جمهورها ونجومها وأنديتها واستثماراتها واقتصادها الخاص، والأهم أنها أصبحت قادرة على صناعة أحداث تنافس في حضورها وتأثيرها الأحداث الرياضية التقليدية.
عندما تصل قيمة الجوائز في بطولة واحدة إلى أكثر من 75 مليون دولار، ويشارك فيها أكثر من 2000 لاعب يمثلون 200 نادي من أكثر من 100 دولة، وتقام المنافسات عبر 25 مسابقة تشمل 24 لعبة إلكترونية، فإن الحديث عن لعبة بالمعنى التقليدي يصبح أقرب إلى قراءة متأخرة لمشهد تغير بالفعل.
السعودية كانت مبكرة في قراءة هذا التحول، وهذه ربما أهم نقطة في الحكاية كلها، لم تنتظر حتى تصبح الرياضات الإلكترونية ظاهرة عالمية مكتملة الملامح ثم تحاول اللحاق بها، بل دخلت إلى هذا القطاع في الوقت الذي كان فيه كثيرون لا يزالون يتعاملون معه باعتباره نشاطاً ترفيهياً محدود التأثير.
بطولة كأس العالم للرياضات الإلكترونية جاءت في الرياض عام 2024 لتضع الأساس، ثم جاءت نسخة 2025 لتؤكد أن التجربة لم تكن ضربة حظ أو حدثاً استثنائياً، قبل أن تصل البطولة في 2026 إلى باريس لتثبت أن المنتج الذي ولد في الرياض أصبح قادراً على الوقوف في أي مدينة عالمية كبرى.
هنا تحديداً تكمن قيمة المشهد الباريسي، فالبطولة لم تغادر الرياض بمعناها الحقيقي، وإنما خرجت من حدودها لتثبت أن ما صنعته السعودية يمكن تصديره إلى العالم، وأن الحدث الذي بدأ محلياً يستطيع أن يتحول إلى منصة عالمية تستقطب الجمهور والأندية واللاعبين من مختلف القارات.
أعتقد أن ما حدث في باريس ليس مجرد أن كأس العالم للرياضات الإلكترونية أقيمت هناك، وإنما أن العالم بدأ يتعامل مع بطولة بدأت في الرياض باعتبارها بطولة عالمية حقيقية، وهذه هي النقلة التي تستحق الانتباه، فالسعودية لم تعد تطرق باب صناعة الرياضات الإلكترونية العالمية، ولم تعد تبحث عن مقعد في المدرجات، بل أصبحت تملك حدثاً جعل العالم يأتي إليها مرة ثم جعل الحدث نفسه قادراً على الذهاب إلى العالم.
المرحلة المقبلة ستكون أكثر صعوبة؛ لأن استضافة حدث عالمي وصناعته أمر مهم، إلا أن المطلوب أن يتحول هذا الزخم إلى صناعة مواهب سعودية قادرة على المنافسة وأندية أكثر احترافية وأكاديميات متخصصة وشركات وطنية تدخل في تطوير الألعاب والتقنيات والمحتوى، وأن تصبح المملكة منتجاً للقيمة في هذه الصناعة لا مجرد مستضيف لأكبر أحداثها.
أجزم أن في الرياض بدأ المشروع، وفي باريس ظهر حجمه الحقيقي، وما بينهما لم تكن مجرد بطولة تنتقل من مدينة إلى أخرى، بل قصة لصناعة سعودية قررت ألا تكتفي بأن تكون جزءاً من المشهد العالمي وإنما أن يكون لها دور في رسمه.










































