اخبار لبنان
موقع كل يوم -درج
نشر بتاريخ: ١١ أيلول ٢٠٢٦
لبنان لا يحتاج فقط إلى انتخابات أفضل، بل إلى دولة تجعل الانتخابات أداة فعلية للمحاسبة والتغيير، لا مجرد إعادة توزيع للأوراق بين اللاعبين. فالمشكلة ليست أن الناخب لا يملك ورقة اقتراع؛ المشكلة أن هذه الورقة تعمل داخل نظام يحدد مسبقاً، إلى حد كبير، ما الذي تستطيع الانتخابات أن تغيّره.
لم يبدأ هذا المقال من كتاب في النظم الانتخابية، بل من جولة في شوارع برلين قاطعها سؤال بسيط طرحته عليّ صديقتي وهي تنظر إلى صور المرشحين على الأعمدة: كيف تنتخب برلين؟
خلال شرحي، وجدت نفسي أشرح نظام الانتخابات في برلين. لكن قبل أن أنهي الشرح، خطر لي سؤال آخر بدا أكثر إثارة من السؤال الأول: ماذا لو اعتمد لبنان النظام نفسه؟
قد يبدو للوهلة الأولى أن نقل هذا النظام يمكن أن ينتج تمثيلاً أدق. لكن السؤال الأهم هو: هل بإمكان أي نظام انتخابي أن يعمل خارج البيئة التي صُمم من أجلها؟
فالانتخابات ليست مجرد طريقة لاحتساب الأصوات. إنها جزء من منظومة تحدد العلاقة بين المواطن والدولة، وبين الأحزاب والسلطة، وبين الفائز والخاسر. لذلك، فالمقارنة بين برلين وبيروت لا تبحث عن قانون انتخابي جاهز للاستيراد، بل تحاول فهم ما الذي يجعل القانون نفسه ينتج نتائج مختلفة باختلاف البيئة السياسية التي يعمل فيها.
من هنا، لم يعد السؤال بالنسبة إليّ كيف تنتخب برلين، بل لماذا لا يكفي لبنان أن يستعير ورقة الاقتراع من برلين؟
وقد يسأل أحدهم: لماذا برلين تحديداً؟ لأن المقارنة هنا مع انتخابات البرلمان المحلي لولاية برلين، وبالتالي نحن أمام مستويين تشريعيين وسياسيين متقاربين في الوظيفة: مجلس نواب برلين الذي يتولى التشريع والرقابة على مستوى الولاية، ومجلس النواب اللبناني الذي يفترض أن يقوم بالدور نفسه على مستوى لبنان.
في 20 أيلول/ سبتمبر، يدخل الناخب في برلين إلى مركز الاقتراع للمشاركة في انتخابات مجلس نواب برلين، بالتزامن مع انتخابات مجالس ممثلي المقاطعات، حاملاً ورقة انتخاب مختلفة جذرياً عن تلك التي يعرفها الناخب اللبناني. ليست المسألة في شكل الورقة فقط، بل في الفكرة السياسية التي تقف خلفها.
يحصل الناخب في برلين على صوتين. بالصوت الأول يختار شخصاً يمثله مباشرة في دائرته الانتخابية. وقد يكون هذا المرشح من الحزب الذي يفضله، أو شخصية محلية يثق بها حتى لو لم يكن مقتنعاً تماماً بحزبها. أما بالصوت الثاني، فيختار الحزب الذي يريد أن يحدد حجمه السياسي داخل البرلمان وبرنامجه لإدارة المدينة.
بهذا الفصل بين الشخص والحزب، يستطيع الناخب أن يعبّر عن خيارين مختلفين: 'أريد هذا الشخص أن يمثل منطقتي'، و'أريد لهذا الحزب أن يكون له هذا الحجم في السلطة'.
هذه ليست مجرد تقنية انتخابية. إنها تعكس تصوراً مختلفاً لوظيفة الانتخابات.
فالانتخابات في النظام الألماني لا تختار أشخاصاً فقط، بل تقيس أيضاً وزن الأحزاب السياسي، ثم تنتج سلطة يمكن تحديد مسؤوليتها السياسية ومحاسبتها عليها.
أما في لبنان، فلا توجد المساحة نفسها من الفصل بين الشخص والبرنامج. فالناخب يصوّت للائحة، ثم يختار صوتاً تفضيلياً داخلها. لكن اللائحة ليست بالضرورة تعبيراً عن مشروع سياسي متجانس؛ فقد تجمع قوى تختلف جذرياً في رؤيتها، لكنها تتقاطع انتخابياً في دائرة معينة. لذلك، بعد إعلان النتائج، يصبح من الصعب الإجابة عن سؤال بسيط: كم يمثل كل حزب فعلياً على مستوى البلد؟
فالانتخابات اللبنانية تقيس، في جانب أساسي منها، نتائج تحالفات انتخابية محلية داخل دوائر متعددة، لا 'صوتاً حزبياً وطنياً' موحداً.
وهنا يظهر الفرق الأهم: المسألة ليست في ورقة الاقتراع وحدها، بل في الوظيفة التي تؤديها الانتخابات. هل هي وسيلة لإنتاج سلطة قابلة للمحاسبة، أم آلية لإدارة توازنات اجتماعية وسياسية قائمة أصلاً؟
كيف يعمل نظام برلين؟
يقوم نظام انتخاب برلمان برلين على التمثيل النسبي الشخصي، فيجمع بين انتخاب مباشر للأفراد وتمثيل نسبي للأحزاب. يحصل كل ناخب على صوتين.
الصوت الأول: اختيار الشخص
يختار الناخب مرشحاً مباشراً عن دائرته الانتخابية، بما يحافظ على علاقة مباشرة بين المواطن ونائبه المحلي. لكن هذا الصوت لا يحدد وحده حجم الحزب داخل البرلمان.
الصوت الثاني: اختيار الحزب
يختار الناخب قائمة حزبية على مستوى الولاية، وهو الصوت الذي يحدد النسبة الإجمالية لكل حزب في البرلمان. فإذا حصل حزب ما على 30 في المئة من الأصوات الثانية، يكون الهدف أن تعكس حصته من المقاعد هذه النسبة تقريباً، بغض النظر عن عدد المقاعد المباشرة التي فاز بها مرشحوه، ولذلك لا يوجد عدد ثابت للمقاعد. وتوجد آليات للمقاعد الإضافية والتعويضية لمعالجة الاختلالات التي قد تنتج من المقاعد المباشرة، بحيث يبقى التمثيل النهائي قريباً من وزن الأحزاب النسبي. النتيجة ليست برلماناً مثالياً، ولا تلغي الحاجة إلى التفاوض. لكنها تجعل هناك علاقة أوضح بين حجم التأييد الحزبي وحجم التمثيل البرلماني.
ومن السهل اختزال المقارنة بالقول إن ألمانيا تنتج حكومات ولبنان ينتج تسويات. لكن هذا التوصيف غير دقيق. فألمانيا نفسها بلد التسويات. نادراً ما يحصل حزب على غالبية مطلقة، وغالباً ما تحتاج الأحزاب إلى تشكيل ائتلافات، وقد تستغرق مفاوضات تشكيل الحكومة وقتاً طويلاً.
الفارق إذاً ليس في وجود التفاوض، بل في موضوعه.
في ألمانيا، تدور المفاوضات أساساً حول السياسات العامة: السكن، الطاقة، الضرائب، التعليم، النقل والضمان الاجتماعي. أما في لبنان، فكثيراً ما يبدأ التفاوض قبل الوصول إلى هذه المرحلة، حول توزيع السلطة وضمان مواقع القوى المختلفة ومراعاة مخاوف الجماعات.
ويظهر الفرق أيضاً بعد الانتخابات. في النظام الألماني، ينتقل الحزب الخاسر غالباً إلى المعارضة وينتظر فرصة أخرى ليحاسبه الناخب. أما في لبنان، فقد تبقى القوى الأساسية، بما فيها قوى متنافسة انتخابياً، جزءاً من السلطة نفسها.
عندها لا يعود التحالف مجرد وسيلة لتشكيل حكومة، بل يمكن أن يتحول إلى طريقة لإعادة توزيع الشراكة السياسية من دون أن يكون واضحاً دائماً من فاز ومن خسر ومن يتحمل مسؤولية القرار.
الطائفية: من ضمانة إلى قاعدة دائمة
من الخطأ اختزال الطائفية في لبنان باعتبارها مجرد أداة للسيطرة السياسية. في مراحل تاريخية معينة، ارتبط النظام الطائفي بفكرة حماية الجماعات من هيمنة طرف واحد. فمن متصرفية جبل لبنان إلى الميثاق الوطني عام 1943، كان هاجس التوازن بين الجماعات حاضراً. كما كان التمثيل الطائفي جزءاً من البنية الدستورية منذ دستور 1926، فيما أعاد اتفاق الطائف عام 1989 توزيع الصلاحيات مع الإبقاء على التمثيل الطائفي إلى حين الانتقال إلى نظام انتخابي خارج القيد الطائفي.
لكن المشكلة ظهرت عندما تحولت الصيغة التي كان يفترض أن تكون جزءاً من مرحلة انتقالية، إلى قاعدة دائمة لتنظيم الحياة السياسية. أنهى اتفاق الطائف الحرب الأهلية وأعاد توزيع الصلاحيات بين المؤسسات، لكنه لم ينجح في إتمام الانتقال إلى دولة المواطنة.
المشكلة، إذاً، ليست في الاعتراف بالتنوع اللبناني، بل في أن الدولة لم تنجح في بناء مؤسسات تجعل المواطن أقل اعتماداً على الحماية الطائفية.
وهذا ينعكس مباشرة على الانتخابات. فإذا كان المواطن يحتاج إلى جماعته كي يشعر أن وجوده السياسي والأمني والاجتماعي مضمون، يصبح من الصعب أن يتحول الاقتراع إلى اختيار بين برامج سياسية فقط.
ماذا كشف تطبيق قوانين الانتخابات اللبنانية بعد 2005؟
النقاش حول إصلاح الانتخابات اللبنانية يبدأ غالباً من القانون، لكنه ينتهي إلى سؤال آخر: ماذا يستطيع القانون وحده أن يغيّر؟
منذ عام 2005، خاض لبنان تجارب انتخابية بقوانين مختلفة. تغيرت الدوائر وطريقة احتساب المقاعد، وانتقل البلد عام 2017 من النظام الأكثري إلى نظام نسبي مع صوت تفضيلي. وكان يفترض أن تفتح النسبية المجال أمام قوى جديدة، وأن يمنح الصوت التفضيلي الناخب قدرة أكبر على اختيار ممثله.
لكن التجربة أظهرت حدود الإصلاح التقني عندما يعمل داخل بيئة سياسية بقيت إلى حد كبير على حالها. لم تختفِ القوى التقليدية، ولم تتحول الانتخابات تلقائياً إلى منافسة بين برامج سياسية وطنية. بقيت الأحزاب الكبرى قادرة على استخدام شبكاتها المحلية وتحالفاتها المناطقية ورصيدها التاريخي لضمان حضورها.
كما أن قانون 2017 لم يُلغِ بنية التمثيل الطائفية. فقد أبقى توزيع المقاعد على أساس الحصص الطائفية، وقسّم لبنان إلى 15 دائرة كبرى، واعتمد اللائحة المفتوحة مع صوت تفضيلي واحد.
لكن المسألة أعمق من طريقة توزيع المقاعد. فالناخب اللبناني لا يدخل دائماً إلى صندوق الاقتراع باعتباره فرداً يختار بين مشاريع سياسية متنافسة. يدخل أيضاً وهو يحمل حسابات تتعلق بالهوية الطائفية، والانتماء المناطقي، وشبكة الخدمات والحماية التي يحتاج إليها. لذلك، غيّر القانون الجديد قواعد اللعبة من دون أن يغيّر البيئة التي يتحرك فيها اللاعبون.
وهنا تصبح المقارنة مع برلين أكثر وضوحاً. النظام الانتخابي هناك يعمل داخل دولة سبقت الانتخابات ببناء مؤسسات تجعل المواطن أقل اعتماداً على الوسيط السياسي. أما في لبنان، فالقانون الانتخابي يصطدم بمشكلة أعمق: الدولة نفسها لم تنجح بعد في أن تصبح المرجع الأول للمواطن.
كيف يعمل النظام الانتخابي على الأرض؟
لفهم الفرق بين النظامين، لا يكفي النظر إلى عدد الأصوات أو طريقة توزيع المقاعد. الأهم هو الحوافز التي ينتجها كل نظام.
في لبنان، يجعل تصميم الدوائر وطريقة تشكيل اللوائح التحالفات الانتخابية جزءاً أساسياً من المعركة. وقانون 2017، على رغم اعتماده النسبية والصوت التفضيلي، أبقى القوى الكبرى قادرة على التكيف مع قواعد اللعبة. لم تلغِ الدوائر الأكبر منطق التحالفات التقليدية؛ أعادت تنظيمه، لأن الهدف الأول بقي تأمين الحاصل الانتخابي.











































































