اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ٢٥ تشرين الأول ٢٠٢٦
ليست إدارة الأزمات أن تتحرك المؤسسات بعد وقوع الكارثة، أو أن تلاحق تطوراتها يوماً بيوم. هذا هو 'رد الفعل '، مهما أُحيط من بيانات واجتماعات وتصريحات.
أما الإدارة الحقيقية فتبدأ قبل الأزمة: برصد المخاطر، وبناء السيناريوهات، والاستعداد المبكر، وتحديد المسؤوليات، ثم مراجعة الخطط باستمرار.
ومن هنا تأتي أهمية انتقاد الاستراتيجية التي تجعل الطوارئ أسلوباً دائماً للحكم. فحين يصبح تسيير الموقف اليومي هو جوهر العمل، تُستنزف الموارد في احتواء النتائج، بينما تبقى أسباب الخلل ومواطن الخطر من دون معالجة. وتتحول الأزمات المتكررة إلى ما يشبه الروتين، ويُقاس النجاح بعبور اليوم لا بمنع الخطر أو تقليل آثاره.
ويزيد هذا الخلل وضوحاً حين تكتفي بعض الماكينات الإعلامية ومسؤولين بالثناء الشكلي على وجود مركز لإدارة الأزمات، كما لو أن إنشاء المركز بحد ذاته دليل على الجاهزية. فالمؤسسات لا تُقاس بأسمائها ولا بما تعلنه عن نفسها، بل بقدرتها على توقع المخاطر، وتبادل المعلومات، واتخاذ القرار في الوقت المناسب، والتنسيق بين الجهات، والتعلّم من الإخفاقات.
المركز ، اي مركز كان ، الذي لا يملك أدوات الرصد، ولا صلاحيات التدخل، ولا خططاً قابلة للتنفيذ، قد يصبح واجهة مطمئنة أكثر منه جهازاً يصنع الفارق.
لكن المشكلة أعمق من تغيير شخوص الحكومات، أو إطلاق مسميات جديدة على مؤسسات قديمة. المطلوب 'مدرسة فكرية جديدة' تعيد تعريف وظيفة الإدارة العامة: من متابعة الوقائع إلى استباقها، ومن التعامل مع كل أزمة باعتبارها مفاجأة إلى فهمها ضمن أنماط ومخاطر يمكن الاستعداد لها. مدرسة تجعل التخطيط ممارسة عملية، لا وثيقة تُحفظ في الأدراج، وتجعل التقييم والتعلّم جزءاً من دورة القرار.
وتحتاج المشاريع الكبرى، على وجه الخصوص، إلى هذه الفلسفة. فحجمها وتشابكها يفرضان رؤية بعيدة المدى، وتقديراً واقعياً للموارد والتحديات، وقدرة على تعديل المسار من دون التفريط بالأهداف. هنا تظهر قيمة 'البراغماتية التخطيطية: هي طموح يستند إلى الوقائع، وخطط مرنة تستوعب المتغيرات، وقرارات تُراجع حين تتغير المعطيات.
إن الانتقال من «العيش على إدارة الأزمات» إلى 'صناعة المستقبل' لا يتحقق بشعار أو مركز جديد، بل بتحول في طريقة التفكير والعمل. فالحكومات التي تنتظر الكارثة لتتحرك ستظل رهينة إيقاعها؛ أما التي تستعد، وتتنبأ، وتتعلم، فتملك فرصة تحويل المخاطر إلى قرارات أفضل ومسارات أكثر أماناً. المطلوب ليس إدارة الأزمة حين تصل، بل إدارة حاضرٍ واعٍ يمنعها، قدر الإمكان، من أن تصنع المستقبل نيابةً عنا.
aftoukan@yahoo.com

























































