×



تعبر المقالات الموجوده هنا عن وجهة نظر كاتبيها.

تعبر المقالات الموجوده هنا عن وجهة نظر كاتبيها.

القتل البطيء للعقل السوري – أيهم محمود

القتل البطيء للعقل السوري أيهم محمود
نشر بتاريخ:  الخميس ٢٣ حزيران ٢٠٢٢ - ٢١:٤٤
القتل البطيء للعقل السوري أيهم محمود

القتل البطيء للعقل السوري – أيهم محمود

شابان نصف جسدهما خارج الباب الأمامي لباص النقل الداخلي، لا يوجد متسع لحشر قدم واحدة حيث هما مُعلَّقان على جانبي. هذه الفوهة العجيبة بيدٍ واحدة، أشار أحدهما لي بأن أصعد من باب النزول الخلفي، عندما دخلت إلى الباص المزدحم. وجدت مقعداً خلفياً شاغراً وكثافة بشرية أقل بكثير من كثافة منتصف الباص الأمامي، لم تنفع كل مناشدات السائق. لهم لترك المقدمة والعودة إلى الوراء قليلاً.

نصف الموجودين -رجالاً ونساءً- في بداية العشرينات من عمرهم، الباص يتجه نحو الجامعة، هم طلبة فيها لكنهم متمسكين بمقدمة الباص. محتملين ذاك الاختناق، هم عنيدون بما يكفي لعدم سماع رجاء السائق المستمر، ليس الشباب وحدهم بل حتى الكهول. شيءٌ ما يُغري العقل السوري بإزعاج نفسه وإزعاج الآخرين، شيءٌ ما يدفع البشر في هذه الأرض. إلى خنق أي محاولةِ تنظيم لحياتهم، شيءٌ ما يدفعهم بقوة إلى تلك العطالة الواضحة وذاك التمرد السلبي القاتل.

على أرصفة مدينتي التي تم احتلال مساحات واسعة منها، تتوقف السيارات وتنتشر فوقها الأكشاك، تتمدد بضائع بعض المحال التجارية. لتشغل قسماً مهماً منها، يجلس البعض أمام محلاتهم في الأرصفة الضيقة مانعين المارة تقريباً من استخدامها. بدأت بعض المقاهي الانتشار أيضاً على الأرصفة لتأكل ما كان سابقاً ملكاً عاماً، هؤلاء وغيرهم إن سألتهم عن حالنا. كتبوا لك معلقات مطولة عن الفرق بيننا وبين الغرب، عن التنظيم الدقيق والرائع في بلاد الواق واق، وعن ضرورة وجود القانون الصارم. وغيره من الكلام الذي لا ينفع ولا يضر، ومع ذلك يشترك الجميع، طلاب، وبسطاء، وسياسيين، وتجار، ومثقفين. في تلك الفوضى التي لا تصل إلى غاية محددة، فهي عشوائية لا هدف لها، هي ليست تخريباً، بل انحدار مستمر. لهذا العقل الجمعي الذي نقتله أيدينا يوماً وراء يوم.

اقرأ أيضا: عصام جنيد.. زف عرسان التسعينيات إلى ممالكهم السعيدة

أزمة المياه ليست جديدة في طبيعتها لكن شح الكهرباء أظهرها بفجاجة قبيحة، مقدار استهلاك الماء أعلى في الأشهر الحارة بالتأكيد. لكن هناك أيضاً شكوى متواترة وقديمة جداً تتحدث عن استغلال البعض لمياه الشرب في ري الأراضي الزراعية، أو لملئ أحواض السباحة في الفيلات والمنتجعات السياحية وحرمان البقية من مياه الشرب والاستحمام.

المياه مثل الأرصفة ومثل جميع الأماكن العامة فرصة للربح وفرصة للاحتلال، لم يعد الفساد حالة فردية، بل حالة جماعية عامة يقبلها. العقل السوري ببساطة ومتعة مهما علا صراخه الظاهري ضد فساد الآخرين الذي لا تطاله يديه، عندما تصل يديه إليه. سيجد في نفسه وفي منظومته الفكرية فتوى تريح ضميره وتبيح له فِعْلَ سرقةٍ ما، كأن تسرق الكهرباء من جارك، أو تأخذ من مياهه. أو حتى تظن أن الأملاك العامة، والمؤسسات العامة، والخدمات العامة، هي ثدي الأم الذي لا ضير من منافسة الأخوة. عليه والاستئثار به إن أمكن ذلك.

الفساد حالة طفولية مُغْرِقة في رفض الوصول إلى سن النضج، المرحلة الفموية كما يشير إليها علم النفس حيث اللذة في الفم وحده. هذه اللذة هي ما تدفع الرضيع للنجاة والبقاء، لكن مشهد كهلٍ يرضع منافس الصغار مشهدٌ مشينٌ بكل الأعراف وبكل. المقاييس الممكنة، هكذا هو مشهد الفساد العام الذي يعيشه معظم السوريين وفق مذاهب متنوعة شتى.

عندما يبالغ الوالدان في تأمين احتياجات أطفالهما، وعندما يبالغان أيضاً في مصادرة قرارهم المستقل ومنعهم من ارتكاب الأخطاء. حمايةً لهم ينتج الإنسان المسخ، الإنسان البالغ جسدياً لكنه الطفل الرضيع على الصعيد النفسي والأخلاقي، لا يجب أن. ننخدع بمشهد الملابس الرسمية للنساء والرجال وتلك النظرات الحادة والقرارات الصارمة وغيرها من مظاهر المسؤولية ومظاهر اتخاذ القرار لأن ما يختفي تحت هذا السطح طفل رضيع يلهو بثدي أمه.

اقرأ أيضا: جبلة يدخل سوق الانتقالات باستعادة هدافه محمود البحر

الفطام في هذه الحالة خطير، دفعُ الناس إلى الفطام القسري يزيد من تعلقهم بهذا الثدي ويزيد من الإصرار على الاستمرار في حالة. الطفولة والتطفل، هم أطفالٌ صغار بجسد بالغ خطير، قد يتمردوا بعنف إن تم منعهم من سرقة ما ليس لهم، لكن أيضاً ومن ناحية أخرى. يعرف البالغون الذين غادروا عالم الطفولة منذ زمنٍ بعيد أن هذا السلوك مدمر للطرفين، للأطفال وللأم-الثدي، عاجلاً أم آجلاً سيخرج بدل الحليب الناضب الدماء ليموت طرفا العلاقة، أحدهما من النزيف، والآخر من الجوع.

لم يعد الفساد حالة فردية، بل حالة جماعية عامة يقبلها العقل السوري ببساطة ومتعة مهما علا صراخه الظاهري ضد فساد الآخرين

قد تفرح الأم ويفرح الأب بطاعة أولادهما لهما، وبعدم اتخاذهم أي قرار مستقل عن قرارهما المركزي، ربما هذه الحالة مطلوبة. في مراحل الطفولة الأولى لغاية حماية الأجساد الغضة لكنها تتحول تدريجياً إلى معادلة قاتلة دون شعور طرفيها بهول. الكارثة القادمة، يصعب هنا تحديد من يتحكم بمن، ومن يقود من.

نزيف العلاقات غير المتوازنة والتي تبقى على ثبات حالها ولا تتطور في هذه المعادلة القاتلة خطير جداً، قد تندثر الأسرة، قد تتعرض. لاستعباد الآخرين، الثدي سينهار يوماً ما من كثرة الاستنزاف، ومن تَعَوَّدَ على الرضاعة حتى شاب عليها سيبحث عن ثديٍ. آخر فهو لا يعرف غير هذه الموهبة وغير هذا السلوك المدمر.

السؤال الفج في حياة السوريين لا يبدأ بالسياسة، ولا بقانون العقوبات، بل يبدأ في المفارقات والمشاهدات التي تخز الضمير. وتحرض صحوه، الإجابات هنا قاتلة، ما يجب على مثقفي اللحظات الأخيرة فعله هو طرح الأسئلة المناسبة وليس تأمين. ونشر الفتاوي المعلبة الجاهزة، لا ينقص هذه الأفواه الشرهة ثديٌ آخر يزيد من بلادتها.

القتل البطيء للعقل السوري أيهم محمود
نتائج سحب يانصيب معرض دمشق الدولي نتائج سحب يانصيب معرض دمشق الدولي
Casa Pools

* تعبر المقالات الموجوده هنا عن وجهة نظر كاتبيها.

* جميع المقالات تحمل إسم المصدر و العنوان الاكتروني للمقالة.

موقع كل يوم
1

أخبار كل يوم

lebanonKlyoum.com is 977 days old | 666,481 Syria News Articles | 1,974 Articles in Jul 2022 | 455 Articles Today | from 59 News Sources ~~ last update: 12 min ago
klyoum.com