اخبار السعودية
موقع كل يوم -صحيفة البلاد
نشر بتاريخ: ٣٠ أيلول ٢٠٢٦
هناك أعمال أدبية تترك في الناس آثارًا لا تمحى، حين تصف المشاعر بشكل مفصل ودقيق، يلامس شغاف القلب مستهدفًا مناطق فيه لا يمكن أن تصمد أمام الوصف الحزين.
ففي عام 1890م صدرت في أوروبا رواية اسمها الجوع (Sult) لكاتبها النرويجي كنوت هامسون، عُدت من أهم الأعمال الأدبية في أوروبا، وفتحت الباب أمام الأدب النفسي، وكانت ثورة حين صدرت من حيث الشكل الأدبي؛ حين ابتعدت عن السرد التقليدي، مركزة على أعماق النفس البشرية والتدفق الداخلي لأفكار بطلها الجائع المتشرد، ومعاناته النفسية والجسدية من الجوع، بدل الحديث عن البيئة والظروف الاجتماعية. وقد تأثر بها روائيون جاؤوا بعده، مثل كافكا وهمنغواي وكامو، وبدأ بعضهم بتقليد أسلوبه، حتى تكاد تكون هي التي أسست للحداثة الأدبية. وقد حصل كاتبها على جائزة نوبل في الأدب عام 1920م، وأصبح بذلك من أشهر الأدباء الأوروبيين في عصره، رغم تأثر مكانته ببعض مواقفه السياسية من الحرب العالمية. وقد تحولت الرواية إلى فيلمين؛ صدر أحدهما عام 1966م والثاني عام 2001م.
تتسم الرواية بالدقة في الوصف، ربما لأن بعض تفاصيلها استندت إلى حياة المؤلف نفسه، قبل أن يصبح كاتبًا. يقول في أحد المقاطع (ترجمة محمود حسني العرابي، طباعة دار المدى، 1999م، ص75): وعضني الجوع بلا رحمة وبغير انقطاع. فأخذت أبلع ريقي المرة بعد المرة لعلي أشبع نفسي بهذه الطريقة، وقد ظهر فيها شيء من العون. كان قد مضى علي عدة أسابيع لم أتناول فيها إلا قليلًا جدًّا من الطعام، فتناقصت قواي في الأيام الأخيرة تناقصًا كبيرًا.
ثم يضيف: تحول الجوع معه من شعور عابر إلى قوة مسيطرة على الجسد جعله عاجزًا عن القيام بما يفيد حتى الكتابة، وعلى العقل حتى تحول إلى ما يشبه الهلوسة، رغم أن الجوع كان يحفز فيه منابع الإبداع والإلهام. كل ذلك مع كبرياء يمنعه من قبول الطعام أو المساعدة من الغير، مع ازدراء للحضارة الحديثة. منها دخوله مرة إلى مطعم وتناوله اللحم، ثم تحريكه للحم في فمه حتى يستمتع بأكله قبل أن يبتلعه، بعد أن جلس في ركن قليل الإضاءة من المطعم حتى لا يلاحظه أحد.
وجاء في مقطع آخر (ص 73): وكنت غارقًا في النوم، فأيقظني أحد الشرطة، فجلست وكأني بعثت بعنف إلى الحياة والشقاء. وكانت دهشتي لوجودي في العراء دهشة جمود في أول الأمر، ولكن سرعان ما انقلبت خيبة مرّةً، فكدت أبكي أسفًا لأني لا أزال على قيد الحياة. وكانت السماء قد أمطرت في أثناء نومي فنفذ الماء إلى ملابسي، وأحسست ببرودة قاسية في أضلاعي.
اتسمت الرواية بقدر من المثالية والتضحية غير المنطقية أحيانًا؛ حين كان البطل الفقير الذي لا يجد ما يسد به رمقه يتبرع بماله وثيابه للفقراء لشخص منسي وسط الحشود، وجاء في وصف حالات من الجوع أنه (همسات الدم وتوسلات نخاع العظم).
وقد صدرت روايات أخرى تحمل عنوان الجوع أو قريبًا منه، منها (بيوغرافيا الجوع) للروائية البلجيكية إميلي نوثومب، ورواية (جوع) للروائي المصري محمد البساطي، ورواية (دروب الجوع) للروائي البرازيلي خورخي أمادو، و(ثلاثية الجوع) للكاتب جيريمي روبنسون من ثلاثة أجزاء هي: الجوع والوليمة والمجاعة، ورواية للكاتبة جاكي مورس كبسلر (2010) بعنوان (الجوع)، ورواية (دلشاد.. سيرة الجوع والشبع) للروائية العمانية بشرى خلفان (2021م)، ورواية (الجوع) للروائي اللبناني خضر نبوه (1961م)، وهناك روايات أخرى كثيرة تتحدث عن الجوع، لكنها لا تحمل لفظة الجوع في عناوينها.
yousefalhasan@










































