اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٦ أذار ٢٠٢٦
خالد بن علي المطرفي
المملكة بما تملكه من موقع جغرافي فريد واستثمارات متراكمة في الموانئ والربط والنقل تقدم نموذجًا إقليميًا لكيفية إدارة الجغرافيا سياسيًا، فالدول الكبرى تتميز في زمن التوترات والحروب والصراع بقدرتها على إبقاء المنطقة قابلة للحياة..
في لحظات الاضطراب الكبرى، تظهر قوة الدول من خلال قدرتها على إبقاء الحركة ممكنة حين تتعطل الجغرافيا من حولها، وهذا ما يجعل المشهد السعودي اليوم جديرًا بالقراءة السياسية العميقة؛ فالحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لم تُنتج حصيلتها التوترات الأمنية، بقدر ما أعادت تعريف قيمة الممرات والموانئ وسلاسل الإمداد باعتبارها جزءًا من معادلة السيادة نفسها.
ومع تعطل المرور في مضيق هرمز إلى حدّ كبير، وارتفاع أسعار النفط، وتزايد المخاوف على تدفقات الطاقة والتجارة والغذاء، نجحت السعودية في إعادة تنظيم المجال الإقليمي من حولها بتعاملها مع موقعها الجغرافي كأصل استراتيجي قابل للتشغيل السياسي والاقتصادي، بتوسطها ثلاث قارات وتطل على البحر الأحمر والخليج العربي، وكانت تدرك منذ سنوات أن قيمة المكان تتحقق إذا تُرجمت إلى بنية تحتية، وقدرة تشغيلية، وبدائل جاهزة وقت الأزمات، ولهذا لم يكن مستغربًا أن تتقدم 'السيادة اللوجستية' في مكونات رؤية 2030، التي تستهدف أصلًا ترسيخ مكانتها مركزًا لوجستيًا عالميًا، والاستفادة من موقعها عند ملتقى آسيا وأوروبا وإفريقيا.
الخطوة السعودية الأبرز هنا، تكمن ببساطة عميقة في نقل جزء من الثقل التشغيلي من منطق الاعتماد على الخليج وحده إلى منطق الازدواج البحري بين الشرق والغرب، فعندما أصبح مضيق هرمز منطقة اختناق جيوسياسي، اتجهت عملاق النفط (أرامكو السعودية) إلى إعادة توجيه بعض صادراتها النفطية نحو البحر الأحمر عبر ميناء ينبع، مستفيدة من خط الأنابيب الشرقي-الغربي الذي تبلغ طاقته نحو خمسة ملايين برميل يوميًا، مع قدرة تاريخية مؤقتة وصلت إلى سبعة ملايين برميل يوميًا في ظروف سابقة، وليست هذه مناورة فنية لتجاوز أزمة الشحن، لكن تعبير لدولة بنت مسبقًا خيارًا سياديًا بديلًا، بحيث لا تتحول الممرات البحرية الضيقة إلى أداة ابتزاز استراتيجي ضدها أو ضد السوق العالمية، ومن المهم طرح السؤال الآتي: ما الأهم من النفط بالنسبة للمملكة؟
الأهم من النفط بالنسبة للمملكة، هو أن أمن الإمداد لم يعد يُفهم من زاوية البرميل، بل من زاوية الحاوية والشاحنة والميناء والربط البري، لذلك أطلقت وزارة النقل والخدمات اللوجستية مبادرة الممرات اللوجستية من موانئ الساحل الغربي بالتكامل مع هيئة الزكاة والضريبة والجمارك، بهدف استقبال الحاويات والبضائع المحولة من موانئ المنطقة الشرقية وموانئ الخليج، بما يتيح استمرار التدفقات التجارية حتى عند اضطراب الملاحة في مضيق هرمز الواقع تحت وطأة الابتزاز السياسي في أي لحظة توتر، وهنا نستوعب ديناميكيًا ما أكدته الهيئة العامة للنقل عن أكثر من 500 ألف شاحنة لدعم استمرارية خدمات النقل وسلاسل الإمداد، وتُظهر هذه الأرقام، قدرة حقيقية على امتصاص حقيقية للضغط الإقليمي.
ولعل ما يمنح هذه الخطوات معناها السياسي الأوسع، أنها لا تخدم الداخل السعودي وحده، فالمسارات المتكاملة من موانئ الساحل الغربي إلى دول الجوار تعني أن المملكة تتحول تدريجيًا إلى 'موازن جغرافي” في الإقليم؛ وهذا بالغ الأهمية لدول الخليج التي يرتبط أمنها الغذائي والدوائي والصناعي، بدرجات متفاوتة، بانسياب الاستيراد وسرعة الوصول، وأشارت تقارير دولية إلى أن بعض شركات الشحن باتت تعتمد الموانئ السعودية على البحر الأحمر مع النقل البري إلى أسواق الخليج كمسار بديل، بينما تتوقع شركات تشغيل موانئ كبرى ارتفاع الحركة في مرافئ البحر الأحمر نتيجة الاختناق الذي أصاب موانئ الخليج، ويعني ذلك باختصار تحول بلادنا إلى منصة استقرار إقليمي.
ومن زاوية أعمق، فإن ما يحدث يكشف تحولًا سعوديًا بالغ الدلالة، يتمحور في معادلة الانتقال من مفهوم “البنية التحتية” إلى مفهوم “الجاهزية السيادية”، فميناء جدة الإسلامي، الذي تعززت قدراته مؤخرًا وارتفعت عدد رافعاته المتطورة إلى 41، يُقرأ كجزء من معمار استراتيجي أوسع يربط التجارة بالأمن القومي.
عندما تقترن هذه القدرات بموانئ الساحل الغربي، وشبكات الطرق، ومبادرات الربط مع دول الجوار، وسياسات تسريع المناولة، فإن المملكة تعيد صياغة موقعها كدولة تستطيع تحويل الجغرافيا إلى نفوذ هادئ، ولذلك فإن القراءة الأدق لما يجري ليس بحث السعودية عن بدائل مؤقتة في زمن الحرب، وإنما حالة النضج الاستراتيجي بنَتْه بهدوء منذ سنوات، وتكشفه اليوم على الملأ العالمي، في وقت تتزايد فيه هشاشة الممرات البحرية، وتتقاطع فيه الطاقة مع الغذاء والتجارة مع الأمن، لتصبح 'السيادة اللوجستية' وفق المفهوم الجيو سياسي السعودي شكلًا جديدًا من أشكال القوة الوطنية.
وبما تملكه بلادنا من موقع جغرافي فريد واستثمارات متراكمة في الموانئ والربط والنقل، فهي تقدم نموذجًا إقليميًا لكيفية إدارة الجغرافيا سياسيًا، فالدول الكبرى تتميز في زمن التوترات والحروب والصراع بقدرتها على إبقاء المنطقة قابلة للحياة أثناءه.. دمتم بخير.










































