اخبار السعودية
موقع كل يوم -الخليج أونلاين
نشر بتاريخ: ٢٩ كانون الأول ٢٠٢٥
كامل جميل - الخليج أونلاين
د. عبد الرؤوف المناعمة:
تطوير صناعة اللقاحات يسهم في خفض كلفة الرعاية الصحية عبر تقليص الاعتماد على الاستيراد، رغم ما يتطلبه من استثمارات أولية مرتفعة في البنية التحتية والتقنيات المتقدمة.
يشكل سعي السعودية الحثيث لتوطين صناعة اللقاحات داخل البلاد خطوة نوعية نحو تعزيز أمنها الدوائي، مما يدفعها لتحجز موقعاً في مصاف الدول الصناعية الرائدة في قطاع حيوي لا يقبل التأجيل.
ومثلت جائحة كوفيد‑19 تحولاً استراتيجياً حقيقياً في نظرة صانعي القرار بالمملكة، إذ كشفت هشاشة الاعتماد على الاستيراد في مثل هذه الأزمات، ما وضع توطين الصناعات الحيوية في مقدمة أولويات رؤية السعودية للصناعة والصحة المستقبلية.
وزارة الصناعة والثروة المعدنية السعودية أكدت، عبرمتحدثها الرسمي، جراح الجراح، أن المملكة عززت أمنها الصحي بتوطين الصناعات الحيوية، بالتزامن مع استعدادها لإطلاق منصة وطنية لصناعة اللقاحات.
هذه المنصة تعتمد نموذج التطوير والتصنيع التعاقدي (CDMO)، ضمن توجه يستهدف بناء قدرات محلية مستدامة في الصناعات الدوائية.
وبحسب ما ذكر موقع 'العربية نت'، (الاثنين 22 ديسمبر 2025)، أوضح الجراح، أن المنصة جاءت استجابة لحاجة استراتيجية كشفتها جائحة كوفيد-19، مشيراً إلى أنها أحد مخرجات لجنة صناعة اللقاحات والأدوية الحيوية (399)، التي أُنشئت عقب الجائحة لتعزيز الجاهزية الوطنية.
توطين صناعة الدواء
تأتي هذه المبادرة في سياق تصاعد الجهود السعودية لتوطين القطاعات الدوائية الحيوية، وإحداث نقلة استراتيجية في صناعة اللقاحات، ما يعكس رؤية المملكة نحو تحويل هذا القطاع من مستهلك إلى منتج صناعي واعد يدعم الاقتصاد الوطني ويعزز جاهزية النظام الصحي في مواجهة أي أزمات مستقبلية.
ترمي المنصة، بحسب تصريحات وزارة الصناعة والثروة المعدنية، إلى منح المرونة للشركات المحلية والعالمية لإنتاج اللقاحات داخل المملكة، مع نقل التقنية وتوسيع قاعدة الإنتاج في سلسلة تصنيع متكاملة تبدأ من تحضير المكونات الدوائية وحتى التعبئة والتغليف.
يمثل هذا الإعلان تتويجاً لسنوات من التخطيط والاستثمار في تصنيع اللقاحات والأدوية الحيوية، بدعم حكومي قوي، وشراكات استراتيجية مع كيانات عالمية ومحلية في الصناعة الدوائية، لتسريع وتيرة التنمية الصناعية الصحية.
من المنصّة إلى الاستدامة
تستهدف المنصة تحقيق تكامل في سلسلة التصنيع؛ من تحضير المكونات الدوائية الأساسية وحتى التعبئة والتغليف،مع إمكانية التوسع مستقبلاً لتشمل إنتاج المكونات الأساسية نفسها.
ويأتي إنشاء المنصةفي سياق جهود أوسع لتعزيز الاستقلالية الصحية، ما يمكّن الشركات المحلية والعالمية من نقل التكنولوجيا والتقنيات الحديثة إلى الأراضي السعودية، ويساهم في بناء سلسلة إنتاج وطنية متكاملة تتجاوز مجرد تجميع المنتجات المستوردة.
وعلى الضفة الطبية، لا تقتصر أهمية هذه الخطوة على بعدها الاقتصادي أو الأمني فحسب، بل تمتد إلى:
تحسين جودة الخدمات الصحية.
تقليل مخاطر نقص الإمدادات في أوقات الذروة.
تعزيز وقاية المجتمع من الأمراض المعدية عبر توافر لقاحات عالية الجودة مصنعة محلياً وبمعايير عالمية.
وخلال ملتقى الصحة العالمي، الذي عقد في أكتوبر الماضي بالعاصمة الرياض، أعلن تأسيس تحالف لإدارة المنصة، يضم شركة لايفيرا، إحدى استثمارات صندوق الاستثمارات العامة، وشركة جمجوم للصناعات الدوائية، إضافة إلى مشغل عالمي متخصص في هذا النوع من المشاريع.
وتعتمد استدامة المشروع على إبرام عقود التزام مع مصنّعي اللقاحات، بما يتناسب مع مراحل نقل التقنية، ما يعزز استمرارية الإنتاج والقدرة على المنافسة.
ويسعى هذا المشروع إلى تقليل الاعتماد على الاستيراد الذي شهدته السعودية لعقود طويلة في مجال اللقاحات، إذ تشكّل الواردات جزءاً كبيراً من احتياجات السوق المحلية في هذا المجال.
نقل المعرفة
وفي خطوة متصلة، يعمل التحالف الصناعي السعودي على توقيع اتفاقيات ونقل المعرفة بين الشركات المحلية والمختبرات العالمية، بهدف تسريع توطين الإنتاج والارتقاء بالقطاع إلى مستوى التنافس الدولي.
من الناحية الطبية، يُعَد تصنيع اللقاحات محلياً ركيزة أساسية لتعزيز الأمن الصحي الوطني، خاصة في مواجهة أوبئة مستقبلية أو اضطرابات في سلاسل الإمداد العالمية.
الوكالات العالمية تشير إلى أن تصنيع اللقاحات محلياً يتيح إنتاجاً أسرع وأكثر موثوقية، ويقضي على الأخطار المرتبطة بتأخير الشحنات أو نقص الجرعات.
من منظور اقتصادي، فإن تحويل صناعة اللقاحات إلى قطاع صناعي واعد يفتح أبواباً كبيرة للنمو، ويحفز رأس المال الوطني، ويجذب الاستثمارات، ويوفر فرص عمل متخصصة في الصناعات الدوائية والتقنيات الحيوية.
وفي ذات الشأن، فإن تصنيع اللقاحات يخفّض نفقات الاستيراد ويزيد من قدرة المملكة على التصدير الإقليمي لهذه المنتجات الحيوية.
وتعكس الإحصاءات الرسمية الاهتمام المتزايد بقطاع الصناعات الدوائية في السعودية، حيث تسجل المملكة نمواً مستمراً في عدد المصانع والاستثمارات في هذا المجال، ضمن جهود تنويع الاقتصاد وتعزيز الإنتاج الوطني، بما يتماشى مع رؤية السعودية 2030.
استثمار يتجاوز المكاسب
يرى أستاذ علم الميكروبات، د. عبد الرؤوف المناعمة، عميد كلية العلوم الصحية بالجامعة الإسلامية بغزة، أن توطين صناعة اللقاحات يمثل استثماراً استراتيجياً يتجاوز المكاسب الاقتصادية، ليعزز الأمن الصحي ويرسّخ القدرات البحثية الوطنية على المدى الطويل.
وأوضح، في حديث لـ'الخليج أونلاين'، أن تطوير هذه الصناعة يسهم في خفض كلفة الرعاية الصحية عبر تقليص الاعتماد على الاستيراد، رغم ما يتطلبه من استثمارات أولية مرتفعة في البنية التحتية والتقنيات المتقدمة.
وحول أهمية توطين اللقاحات أكد المناعمة أنه يتجسد في:
فتح المجال أمام بناء قدرات علمية محلية في مجالات التكنولوجيا الحيوية والمناعة.
تعزيز الجاهزية لمواجهة الأوبئة.
دور كبير في نقل المعرفة.
خلق فرص عمل نوعية.
دعم الصناعات المساندة وجذب الاستثمارات.
وبيّن أستاذ علم الميكروبات أن التصنيع المحلي يساهم، على المدى القصير، في خفض كلفة الجرعة بنسبة تصل إلى 50%، وتقليل نفقات النقل والتخزين، فيما ينعكس على المدى البعيد في تقليص عبء الأمراض القابلة للوقاية وتحسين استدامة الأنظمة الصحية.
وفي المقابل، أشار إلى أن نجاح هذا المسار يرتبط بـ:
الالتزام بمعايير الجودة العالمية.
مواجهة المنافسة الدولية.
التعامل مع تحديات التخزين وسلاسل التوريد.
وأكد المناعمة أن امتلاك منصة وطنية لتصنيع اللقاحات يمنح الدول قدرة أعلى على الاستجابة السريعة للأوبئة، والتحكم بسلاسل الإمداد، والتكيف مع أي طوارئ صحية مستقبلية.










































