اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٣١ تموز ٢٠٢٦
د. ملحة عبدالله
إن الفضاء الإعلامي ليس محايدًا البتة، بل يخضع لمنطق التبسيط المفرط الذي يتناقض تناقضًا جذريًا مع مسارات المعرفة العلمية الرصينة القائمة على التجريب والمراجعة، وبناء المفاهيم المتراكمة، بينما يعتمد على اللقطة الخاطفة والمواجهة الدرامية المصطنعة..
للإعلام سلطته في إيقاظ الوعي وفي تزييفه، وهذا أمر مهم في بناء الشعوب وفي هدمها أيضًا، ذلك الأمر مسلم به وبه الكثير من النظريات والمجلدات التي تنوء بحمله أرفف المكتبات، ولكننا اليوم نحيا إشكالية كبيرة فيما يقدمه الإعلام من السيطرة على العقول وفي توجيهها بالنمط المتاح والمحبب! وفي هذا نتناول قراءة كتاب لويس بينتو -نظرية العالم الاجتماعي- عند بيار بورديو 2014.
وفي هذا يتساءل: كيف تتحول الشاشة من أداة نقل الحقيقة إلى مصنع لإنتاج الوهم وبرمجة العقول؟ في عصر التدفق المعلوماتي اللحظي، تُقدم وسائل الإعلام الجماهيرية على أنها التجسيد الحقيقي للمعرفة والحقيقة الحقة، إذ تُوصل المعرفة إلى كل شريحة من شرائح المجتمع غير أن التحليل السوسيولوجي الدقيق. يكشف بنية خفية تحكم هذا الفضاء: بنية لا تُقاس فيها قيمة الأفكار بعمقها المنهجي، بل بمدى توافقها مع القوالب الاستهلاكية الجاهزة التي يفرضها الإيقاع المتسارع للإعلام.
ولذا نجد أن بيار بارديو يفكك الحقل الصحفي، ويسلط الضوء على الآليات التي توظفها وسائل الإعلام للتحكم في الإدراك الاجتماعي، فهو يرى أن الإعلام، وعلى رأسه التلفزيون، يمتلك سلطة استثنائية لفرض الإشكاليات وتحديد ما يستحق النقاش، ومن تهميش القضايا الجوهرية وإزاحتها إلى الهامش.
إن الفضاء الإعلامي ليس محايدًا البتة، بل يخضع لمنطق التبسيط المفرط الذي يتناقض تناقضاً جذرياً مع مسارات المعرفة العلمية الرصينة القائمة على التجريب والمراجعة، وبناء المفاهيم المتراكمة، بينما يعتمد على اللقطة الخاطفة والمواجهة الدرامية المصطنعة.
يتجلى هذا التزييف -بحسب بورديو- في صناعة ما يسميهم بـ'المفكرون السريعون' (Fast thinkers)؛ أولئك الأكاديميون والمعلقون الذين يجيدون الخوض في أي موضوع بعبارات جاهزة ومصقولة تلائم الوقت المضغوط على الشاشة، مؤدين بذلك إلى إقصاء الفكر العلمي الحقيقي الذي يتطلب أناة وتأملاً وتفكيكاً متأنياً، علاوة على ذلك، يمارس الحقل الإعلامي ضرباً من 'الرقابة الخفية'؛ إذ يُعاد عبر انتقاء الضيوف وتوجيه النقاشات في مسارات محسوبة مسبقاً إنتاج رؤية مفروضة، فتُفرغ النظريات النقدية من محتواها الجذري لتتحول إلى فقرات ترفيهية خفيفة.
وبذلك هناك آليات تزييف بين فرض جدول الأعمال وصناعة الاستعجال، حيث يذهب بورديو إلى أبعد من الحد عن 'التحيز' ليؤكد أن التلفزيون يمارس سلطة رمزية، السلطة الرمزية هي القدرة على فرض تصنيفات وتسميات يراها الناس 'طبيعية' و'بديهية'.
فعندما يقرر التلفزيون أن يفتتح نشراته بخبر فهو يعلن ضمنياً أن 'هذا هو المهم'، وهنا يغيب سؤال: لماذا لا نرى إحصائيات، أو تحليلاً لسياسات التعليم بالزخم نفسه؟ لأن منطق الحقل الصحفي يفرض ما أسماه بورديو 'الاستعجال الدائم'، كل شيء يجب أن يكون سريعاً، جذاباً، مهماً وقابلاً للاستهلاك الفوري.
وفيه يقول إن هذا الاستعجال، هو من يقتل الزمن الضروري للتفكير، والمعرفة العلمية تحتاج إلى زمن التراكم، إلى الجدل، إلى الاعتراض. أما التلفزيون فيفرض 'زمن البث' الذي لا يرحم في هذا الزمن، لا مكان للتحفظ المنهجي أول للقول 'أحتاج أن أراجع'.
لذلك يتم استدعاء 'المفكر السريع' الذي لديه رأي في كل شيء، من الأزمة الاقتصادية إلى الفيزياء الكمية وبالثقة نفسها والعبارات المطاطة نفسها، وهكذا يتم إقصاء المتخصص الحقيق لسعة مداركه.
بورديو يرى أن الحقل الصحفي لا يعمل في فراغ، هو حقل خاضع لضغط مزدوج من جهة ضغط السوق: نسب المشاهدة، الإعلانات، وجوب 'بيع البرامج'، ومن جهة أخرى ضغط السلطة الاقتصادية التي تمتلك أو تمول وسائل الإعلام، لا توجد أوامر مباشرة في أغلب الأحيان، ولكن توجد 'توقعات ضمنية'، فالصحفي يعلم مسبقاً ما 'يمكن قوله' حتى يحافظ على وظيفته وعلى القناة.
هذه الرقابة الذاتية غير المرئية هي الأخطر، لأنها تخلق نوعاً من 'التواطؤ اللاواعي'، فيصبح الإعلامي نفسه مقتنعاً بأنه حر، بينما هو في الحقيقة يعيد إنتاج حدود الممكن والمسموح به، وتظهر النتيجة في توحيد الخطاب، فإذا ما تابعنا القنوات المختلفة في اليوم نفسه، سنجد العناوين نفسها، الضيوف نفسهم، الزاوية نفسها، ليست مؤامرة، بل هو أثر منطق الحقل الذي يجعل الجميع يتنافس على 'السلعة الإخبارية' الجاهزة نفسها.
إنه تفريغ النقد من محتواه وتحويله إلى ترفيه، فمن أخطر ما شخصه بورديو هو عملية 'تدجين النقد'، فالنقد الحاد لا يتم منعه، بل يتم استضافته، ولكن في إطار 'برنامج حواري ساخن'. يُوضع الناقد أمام خصم وتدار المواجهة، وتُختزل الحجة إلى 'خناقة'، الجمهور هنا لا يتذكر الحجة، بل يتذكر من يكسب الجولة، وهكذا تتحول النظرية النقدية إلى مادة استهلاكية، 'فقرة' تُشاهد ثم تُنسى.
هذا هو جوهر تزييف الوعي عند بورديو: ليس الكذب الصريح، بل إعادة الترتيب. إظهار جزء من الواقع مع إخفاء البنية، جعل الناس يعتقدون أنهم 'مطلعون' بينما في الحقيقة تم توجيه انتباههم بعيداً عن الأسئلة الجوهرية! ولذا فالوعي هو درعنا ضد التزييف الممنهج.










































