اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٤ تموز ٢٠٢٦
فهد الأحمري
هل تخيلت يومًا أن مجرد حركة بسيطة لسبابتك على شاشة الهاتف، قد تكون هي الدليل الوحيد على أنك مازلت على قيد الحياة؟
تنمو المدن، وتتسع الأبراج، ومعها تنمو عزلة صامتة وخفية خلف الأبواب المغلقة، هذا التوجس البشري من أن يرحل المرء فجأة في شقته المعزولة دون أن ينتبه لغيابه أحد، تحول في الصين إلى فكرة تقنية أثارت عاصفة من النقاش عبر تطبيق يحمل اسمًا صادمًا ومباشرًا: «هل أنت ميت».
الفكرة قائمة على معادلة في غاية البساطة؛ يسجل الشخص دخوله مرة كل يومين ليؤكد وجوده، فإذا صمت الهاتف، وتأخرت تلك الإشارة، تفهم المنصة أن مكروها قد حدث، وتطلق، فوراء نداء استغاثة آليًا لجهات الطوارئ أو الأقارب.
الحارس الرقمي الذي بدأ عمله في ظلال الهدوء، ومن دون أي ضجيج تسويقي، سرعان ما تحول إلى ظاهرة اجتماعية جارفة، وتصدّر قائمة التطبيقات برسوم، مدفوعا بطلب هائل من فئة الشباب المستقلين عن عائلاتهم.
هذا التدفق نحو التطبيق ليس مجرد تقليعة عابرة، بل هو مرآة تعكس تحولاً عميقًا في شكل الأسرة الحديثة، حيث تشير البيانات الرسمية إلى أن البيوت التي يسكنها فرد واحد ستتجاوز ملايين الأسر خلال السنوات القليلة القادمة. واقع جعل الأمان الشخصي هماً يوميا يلاحق الموظفين المغتربين، والطلاب، وكل من يمر بظروف نفسية صعبة أو فترات بطالة.
ورغم نجاح التطبيق، إلا أن اسمه السوداوي واجه انتقادات واسعة باعتباره نذير شؤم في الثقافة الشعبية الصينية، وسط دعوات لاستبداله بعبارات تفاؤلية مثل «كيف حالك؟»، في حين يرى مراقبون أن الاسم ما هو إلا تلاعب لغوي ذكي يحاكي أسماء منصات توصيل الطعام الشهيرة، لينتقل بالإنسان من مربع الجوع الجسدي إلى مربع الجوع إلى الأمان.
هذه الظاهرة تؤكد حقيقة واحدة؛ وهي أن صخب الحواضر والاكتفاء المادي لا يمكنهما أبدًا أن يلغيا حاجة الإنسان الفطرية إلى الشعور بالاتصال والاطمئنان، حتى وإن جاء هذا الاطمئنان على هيئة نبضة إلكترونية صغيرة في فضاء افتراضي واسع.
بصيرة:
المأساة الحقيقية للإنسان المعاصر لا تكمن في شح وسائل الاتصال، بل في وفرتها التي عمّقت الاغتراب؛ فكلما اتسعت رقعة الشبكات الافتراضية، ضاقت مساحات الحضور الإنساني الدافئ.
إن تحول الرغبة الفطرية في الطمأنينة إلى منتج تقني يُشترى بريال ودولار، ما هو إلا جرس خطر صامت ينذر بأن الرفقة الصادقة باتت ترفًا صعب مناله في حواضر الأسمنت والحديد، وأن أثمن ما قد يملكه المرء في نهاية المطاف، ليس بريق النبضات الرقمية، بل عين بشرية تحرس غيابه قبل حضوره، وتقرأ صمته قبل كلامه.










































