اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٧ أب ٢٠٢٦
علي بن محمد الغامدي
مع كل عودة إلى المدارس تتكرر الصورة، حقائب جديدة وازدحام أمام المكتبات وأطفال يستقبلون عامًا دراسيًا جديدًا بمزيج من الحماس والقلق، والعودة لهذا العام تأتي تحت شعار وزارة التعليم 'نكتب قصة' في إشارة لا تقتصر على انتظام الطلاب في مقاعدهم، بل تمتد إلى بناء تجربة تعليمية يشارك في صياغتها الأسرة والمعلم والمدرسة.
خلف هذا المشهد الموسمي يتشكل تحول اقتصادي أعمق؛ فالمدرسة لم تعد مجرد مبنى يضم فصولًا ومعلمين بل غدت منصة تقنية وعلامة تجارية ومؤسسة قابلة للتوسع، بل أن في بعض نماذجها أصحبت شركة مساهمة يتداول أسهمها في السوق المالية.
هذا التحول يضع الشركات الكبرى المالكة للمدارس الأهلية أمام مسؤولية كبيرة؛ فالتقنية في التعليم ليست سبورة ذكية تُعلّق على الجدار ولا أجهزة لوحية توزّع على الطلاب ولا تطبيقًا يحمل شعار المدرسة، إنما تبدأ قيمتها الحقيقية عندما تساعد المعلم على فهم مستوى الطالب، وتمنح الأسرة صورة واضحة عن تقدم أبنائها، وتُمكن الإدارة من اتخاذ قراراتها بناءً على البيانات بدلًا من الانطباعات، فالتقنية التي لا تتصل بنتائج التعلم لا تتجاوز كونها عنصرًا تسويقيًا يلمع في إعلان المدرسة أكثر مما يظهر أثره داخل الفصل.
وعند هذه النقطة تتقاطع التقنية مع الاقتصاد، لهذا بدأ قطاع التعليم الأهلي ينتقل تدريجيًا من نموذج المنشأة العائلية المحدودة إلى نموذج المجموعات التعليمية الكبرى والشركات المساهمة، بما تملكه من حوكمة وهياكل إدارية ومالية أكثر تنظيمًا.
وفي ظل استهداف المملكة رفع مشاركة القطاع الخاص في التعليم من نحو 17 في المائة إلى 30 في المائة بحلول عام 2030، تصبح المدارس الأهلية شريكًا متناميًا في تنمية رأس المال البشري وتحقيق مستهدفات رؤية السعودية 2030، فالنتائج المالية للشركات التعليمية المدرجة في سوق الأسهم تظهر حجم هذا التحول؛ حيث سجلت الشركة الوطنية للتربية والتعليم إيرادات قاربت 610 ملايين ريال خلال الأشهر التسعة المنتهية في أبريل 2026 بنمو تجاوز 12 في المائة. وخلال الفترة نفسها حققت شركة عطاء التعليمية صافي ربح تجاوز 88 مليون ريال بنمو يفوق 11 في المائة.
كما سجلت شركة المسار الشامل للتعليم المتخصصة في قطاعات تعليمية من بينها التربية الخاصة والتعليم العالي، نموًا في إيراداتها السنوية لعام 2025 تجاوز 22 في المائة فيما ارتفع صافي الربح بنحو 29% ليبلغ 122 مليون ريال. ولا يقتصر هذا الزخم على الشركات المدرجة؛ فدخول شركات استثمارية ضخمة مثل معارف للتعليم المملوكة من قبل 'حصانة' الذراع الاستثماري للمؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية تؤكد أن التعليم أصبح صناعة اقتصادية جاذبة للاستثمار.
وفي صناعة بهذه الخصوصية، يصبح التسويق عنصرًا محوريًا؛ فالأسرة عندما تختار مدرسة أهلية لا تشتري مقعدًا دراسيًا فحسب، بل تراهن على سنوات من مستقبل أبنائها. ولذلك يُعد التعليم من أكثر الخدمات اعتمادًا على الثقة، لأن ولي الأمر يدفع مقابل نتيجة لا يستطيع معاينتها كاملة قبل الشراء وقد لا تظهر آثارها الحقيقية إلا بعد أعوام، فقد تنجح حملة إعلانية في ملء المقاعد لعام واحد، لكن الاحتفاظ بالطلاب وكسب توصيات الأسر يحتاجان إلى تجربة يومية متماسكة: معلم كفؤ، وقيادة مدرسية حاضرة، وبيئة آمنة، وتواصل سريع، ومحتوى تعليمي فعّال.
إضافة الى تحدي كبير أمام المدارس المملوكة للشركات مساهمة في أنها تخاطب جمهورين في الوقت نفسه: الأسر التي تبحث عن الجودة والثقة، والمستثمرين الذين يبحثون عن النمو والعائد. فالإدراج في السوق المالية لا يصنع الجودة تلقائيًا، لكنه يمنح شركات التعليم أدوات تساعدها على تحقيقها، من خلال الوصول إلى التمويل، ورفع مستوى الحوكمة، واستقطاب الكفاءات، والتوسع الجغرافي، والاستثمار في التقنية والتدريب، كذلك تعزيز الإفصاح الذي لا ينبغي أن يقتصر على الإيرادات وأعداد المقاعد فقط، بل يجب أن يمتد إلى مؤشرات أكثر اتصالًا بجوهر العملية التعليمية، مثل تطور نتائج التعلم واستقرار المعلمين وساعات التدريب ورضا الأسر وسلامة البيئة المدرسية وفاعلية الاستثمار التقني.
التعليم الأهلي في المملكة لم يعد مجرد خدمة تقدمها المدارس، بل أصبح صناعة تجمع بين الرسالة التعليمية والاستثمار والتقنية، وأن النجاح في هذا التحول لن يُقاس بعدد الفروع، ولا بنمو الإيرادات، ولا بحجم الإنفاق التقني، بل بقدرته على تحسين تعلم الطالب، وبناء ثقة الأسرة، وتحقيق عائد مستدام للمستثمر.










































