اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢ نيسان ٢٠٢٦
محمد الحمزة
في العصور الخوالي، كانت الحروب تُخاض بالسيوف والمدافع فحسب، أما اليوم، فقد أصبحت 'الكلمة' و'الصورة' ركيزتين أساسيتين في إدارة أي صراع. إن ما نطلق عليه 'الجبهة الداخلية' لا يقل أهمية عن الجبهة العسكرية، وعصب هذه الجبهة هو الوعي الإعلامي.
تقع على عاتق الإعلامي في وقت الحروب مسؤولية أخلاقية جسيمة؛ فهو ليس مجرد ناقل للحدث، بل هو 'فلتر' قيمي ووطني. إن الدور الحقيقي للإعلامي المهني، سواء كان يعمل في صحيفة أو يمتلك منصة رقمية مؤثرة، هو تقديم الصورة الصحيحة والمطمئنة للناس. الطمأنينة هنا لا تعني تزييف الحقائق أو بيع الأوهام، بل تعني تقديم المعلومة في سياقها الصحيح دون تهويل أو استعراض يهدف إلى إثارة الذعر لزيادة عدد المشاهدات.
إن بث الروح المعنوية العالية وحماية المجتمع من الهلع يتطلبان من الإعلامي تجنب 'الإثارة الرخيصة' والابتعاد عن نشر المشاهد الدامية أو الأخبار غير المؤكدة التي تخدم أهداف العدو في زعزعة الاستقرار. الإعلامي الواعي هو من يدرك أن 'السبق الصحفي' لا قيمة له إذا كان الثمن هو ترويع الآمنين أو كشف ثغرات نفسية في جدار الوطن.
مع انفجار فضاء التواصل الاجتماعي، أصبح كل فرد 'مراسلًا' محتملاً، وهو ما خلق تحدياً هائلاً يتمثل في 'التلوث المعلوماتي'. إن الوعي الشعبي اليوم يُقاس بمدى قدرة الفرد على التمييز بين الخبر الموثق والشائعة المغرضة. إن المصادر غير الرسمية، والحسابات المجهولة، والمنصات المنحازة، تعمل كأدوات في 'الحرب النفسية'، حيث تعمد إلى تضخيم الأحداث أو تحريفها لخدمة أجندات خارجية.
إن الالتزام بالمصادر الرسمية والمنصات الإعلامية الرصينة هو خط الدفاع الأول. فهي تمتلك من أدوات التحقق ما لا يمتلكه الأفراد، وهي الأحرص على المصلحة الوطنية العليا. إن الانسياق خلف التحليلات العاطفية أو المصادر المنحازة يؤدي بالضرورة إلى حالة من 'التيه المعلوماتي' التي تجعل المجتمع لقمة سائغة للاختراق المعنوي.
لا يقتصر خطر الأخبار في وقت الحروب على الجانب المعلوماتي، بل يمتد بعمق إلى الجانب النفسي. إن ممارسة ما يعرف بـ'Doomscrolling' أو التمرير المستمر لمتابعة أخبار الكوارث والحروب، يضع الدماغ في حالة 'تأهب دائم للتهديد'، مما يؤدي إلى استنزاف هرموني وعصبي حاد. إن الإفراط في تتبع التفاصيل العسكرية الدقيقة والتحليلات الجيوسياسية المتضاربة يخلق شعوراً بالعجز وفقدان السيطرة.
الوعي الفردي يتطلب وضع 'حدود صحية' لمتابعة الأخبار. إن الانغماس لساعات في مشاهدة مقاطع الفيديو الحربية أو قراءة توقعات المحللين المتشائمة يرفع مستويات القلق، ويؤثر على جودة النوم، وينعكس سلباً على العلاقات الأسرية والإنتاجية المهنية. الفرد الواعي هو من يستهلك الخبر بقدر الحاجة لفهم الموقف، ثم يعود لممارسة حياته وبناء مجتمعه، مؤمناً أن التهويل هو أولى خطوات الهزيمة النفسية.
لتحقيق توازن بين 'حق المعرفة' و'السلام النفسي'، يجب اتباع استراتيجية واضحة مثل الاكتفاء بمصدرين أو ثلاثة من المصادر الرسمية والموثوقة. والابتعاد عن 'خبراء الصدفة' على منصات التواصل الذين يقتاتون على إثارة المخاوف. وتخصيص فترات زمنية محددة يومياً لمواكبة المستجدات بدلاً من المتابعة اللحظية. وعدم إعادة توجيه أي معلومة مجهولة المصدر عبر تطبيقات التواصل.
إن الوعي الإعلامي في زمن الحرب هو فعل مقاومة بحد ذاته. فالحفاظ على هدوء العقل وتماسك الروح المعنوية هو المساهمة الأكبر التي يمكن أن يقدمها الفرد لوطنه في أوقات المحن.. يقول عالم الاجتماع والاتصال مارشال ماكلوهان: 'في الحروب العالمية الجديدة، لم تعد الصواريخ هي التي تقتل، بل المعلومات هي التي تشل حركة المجتمعات قبل أن تبدأ المعركة'.










































