اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٣٠ حزيران ٢٠٢٦
د. سعود المريشد
يمثل خروج منتخبنا من مونديال (2026م) لحظة فارقة تستوجب مراجعة استراتيجية شاملة للمشروع الرياضي الوطني؛ إن الدعم السخي الذي قدمته ومازالت تقدمه القيادة الرشيدة -أيدها الله- وضع حجر الأساس لنقلة نوعية، إلا أن الممارسة الميدانية أظهرت فجوة جوهرية بين الطموح والواقع؛ إذ تحول الاستثمار في استقطاب النجوم العالميين والذي كان من المفترض أن يكون وسيلة لرفع جودة المنافسة، إلى غاية في حد ذاتها؛ هذا الانبهار مدفوعاً بتحقيق النتائج السريعة، ومغلفاً بضجيج إعلامي يغذي التعصب لنوادي بعينها على حساب المصلحة الوطنية، وخلق واقعاً بات فيه النادي هو محور الاهتمام، بينما أصبح المنتخب واللاعب الوطني مجرد تفاصيل في مشهد لا يعترف بالتخطيط والصبر الاستراتيجي.
إن الأزمة الحقيقية ليست في وفرة الموارد، بل في فلسفة توظيفها، وعند النظر إلى التجارب الدولية التي نهضت بقطاعها الرياضي، نجد أن النجاح لم يأت عبر استقطاب اللاعبين الأجانب، بل عبر الهندسة المؤسسية؛ فمثلاً التجربة الألمانية التي أطلقت مشروع تطوير المواهب بعد إخفاقات التسعينيات، فرضت على الأندية استثمارات إجبارية في البنية التحتية للأكاديميات، تماماً كما فعلت التجربة البلجيكية في بناء هيكل وطني موحد لصناعة الناشئين، أو اليابان التي ربطت الاحتراف ببرامج التدرج الصارم للاعبين في المراحل السنية الناشئة؛ إننا بحاجة لاستنساخ هذه النماذج عبر تحويل دورينا من ساحة للمحترفين إلى محرك إنتاجي وطني؛ إن الحل العملي يتطلب ربط الدعم المالي للأندية بمؤشرات أداء عملية، كمعيار القيمة المضافة للموهبة، حيث يكافأ النادي بناء على عدد المواهب التي ينتجها وعدد الساعات التي يمنحها لهذه المواهب في ممارسة اللعبة فعلياً، وكذلك عمق فاعلية جهود أكاديمياته في تصعيد اللاعبين، وهو ما سيحول الأندية إلى حاضنات للمواهب بدلاً من كونها وجهات استهلاكية تعتمد على اللاعبين الأجانب.
نحن أمام استحقاق استضافة مونديال (2034م)، وهي فرصة تتجاوز في أبعادها من أن تكون تنظيماً لوجستياً فحسب، بل إنها اختبار لقدرتنا على بناء هوية كروية وطنية صلبة؛ فالمطلوب اليوم غربلة ملزمة تعيد ترتيب الأولويات، وتبدأ بترسيخ إعلام يضع المصلحة الوطنية فوق صراعات ميول الأندية ومصالحها الخاصة، وإدارة رياضية تضع تطوير اللاعب السعودي في قلب استراتيجيتها، ومؤسسات أندية تتحمل مسؤوليتها في 'تصنيع' النجم وليس استقطابه؛ إن الرياضة المعاصرة علم وإدارة طويلة النفس، ورهاننا في السنوات القادمة ليس في سباق التسلح بالنجوم الأجانب، بل في بناء منظومة مؤسسية لا تعتمد على الأفراد، ولكن على رصانة الهياكل التنظيمية والتشريعات المتطورة والحوكمة الفعلية؛ إن الانتقال من عقلية الاستهلاك الرياضي إلى الاستدامة الرياضية جوهرها هو مشروع وطني يكتشف ويحتضن وينمي المواهب والكوادر الفنية الوطنية باعتباره الضمانة الوحيدة لكي نحتفي في (2034م) بمنتخب يمثل طموح الوطن وليس بحدث عابر في تاريخه.










































