اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١ شباط ٢٠٢٦
الرياض - 'الرياض'
يشهد القطاع العقاري في المملكة العربية السعودية مرحلة تحول لافتة، مدفوعة بتزامن ثلاث مسارات رئيسية شملت دخول نظام تملك غير السعوديين للعقار حيز التنفيذ، والتوجه نحو رقمنة الأصول العقارية في مكة المكرمة والمدينة المنورة عبر 'الترميز العقاري'، إلى جانب توسع الحلول التمويلية الموجهة للشباب. ويرى مختصون أن هذا التزامن لا يمثل مجرد تحديثات تنظيمية، بل يعكس انتقال السوق إلى مرحلة أكثر نضجًا واستقراراً.
وفي هذا السياق، وصف خبير الاستثمار سامر شقير هذا التحول بأنه 'مرحلة نضج استراتيجي للسوق العقاري'، مؤكداً أن 'تكامل هذه المسارات الثلاثة يعيد هندسة خارطة الاستثمار العقاري، ويخلق منظومة اقتصادية متكاملة تدعم استدامة النمو وتنوع الفرص'.
تملك غير السعوديين… من السكن المؤقت إلى الشراكة المستدامة
يمثل بدء تطبيق نظام تملك غير السعوديين نقطة تحول في هيكل الطلب العقاري، عبر الانتقال من نموذج السكن المؤقت إلى نموذج أكثر استقراراً قائم على امتلاك الأصول داخل الاقتصاد الوطني. ويُتوقع أن ينعكس ذلك على مستويات السيولة وحجم الاستثمار طويل الأجل في القطاع.
ويشير سامر شقير إلى أن هذا التحول 'ينقل العلاقة الاقتصادية مع المستثمرين والمقيمين والكفاءات العالمية من مفهوم التواجد المؤقت إلى مفهوم الشراكة التنموية المستدامة'، موضحاً أن تمكين هذه الفئات من تملك العقار 'يسهم في توطين الثروات وتحويل التدفقات النقدية إلى أصول وطنية ثابتة تدعم الناتج المحلي غير النفطي'.
اقتصادياً، لا تتوقف آثار التملك عند قيمة الصفقة، بل تمتد إلى قطاعات متعددة، تشمل التشييد ومواد البناء والتمويل والتأمين وإدارة المرافق والخدمات. وهو ما يصفه شقير بـ 'الأثر المضاعف'، مبيناً أن 'كل ريال يُضخ في شراء وحدة سكنية يتحرك داخل الاقتصاد، مولداً نشاطاً أوسع وفرصًا وظيفية مباشرة وغير مباشرة'.
ماذا يعني ذلك للمواطن؟
زيادة النشاط في هذه القطاعات تعني فرص عمل أوسع وتحسن جودة المعروض نتيجة ارتفاع المنافسة.
وماذا يعني للمستثمر؟
سوق أعمق وأكثر استقراراً، مع وضوح تشريعي يقلل المخاطر على المدى المتوسط.
ترميز عقارات الحرمين… رقمنة تفتح آفاقًا جديدة
في مسار موازٍ، يبرز التوجه نحو فتح سوق 'الترميز العقاري' في مكة المكرمة والمدينة المنورة كخطوة نوعية في مجال التقنية العقارية. ويقوم هذا التوجه على رقمنة الأصول وتسهيل الانتفاع أو التملك عبر منصات رقمية محكومة.
ويرى سامر شقير أن هذه الخطوة 'تضع المملكة في مصاف الدول الخبيرة عالميًا في التقنية العقارية'، مؤكداً أن رقمنة الأصول في المدينتين المقدستين 'ستفتح الباب أمام تدفقات رؤوس أموال إسلامية نوعية كانت تبحث عن قنوات استثمارية شفافة وآمنة بجوار الحرمين'.
ويضيف أن هذا التوجه من شأنه تعزيز الجدوى الاقتصادية للمشاريع الكبرى القائمة والمستقبلية، من خلال توسيع قاعدة المستثمرين وتسهيل الوصول إلى الاستثمار العقاري ضمن أطر تنظيمية واضحة.
ماذا يعني ذلك للمستثمر؟
مرونة أعلى في الدخول إلى السوق، ومستوى أعلى من الشفافية والحوكمة.
وماذا يعني للسوق؟
تنويع أدوات الاستثمار وتقليل الاعتماد على النماذج التقليدية.
تمويل الشباب… الطلب يتغير والمنتج يعاد تعريفه
بالتوازي مع التحولات التشريعية والتقنية، تتجه الحلول التمويلية نحو استهداف فئة الشباب، في استجابة واضحة لتغير أنماط الطلب السكني. ويلاحظ أن هذه الفئة باتت تبحث عن جودة الحياة والمجتمعات المتكاملة أكثر من التركيز على المساحة أو النموذج التقليدي للوحدة السكنية.
ويؤكد شقير أن 'الحراك الذي يقوده صندوق التنمية العقارية يعكس قراءة دقيقة لتحولات الطلب لدى جيل الرؤية'، مشيراً إلى أن هذا الجيل 'يميل إلى المجتمعات السكنية الذكية والمتكاملة بدلًا من الوحدات المكلفة ذات القيمة المحدودة على المدى الطويل'.
هذا التحول يدفع السوق إلى تطوير منتجات عقارية جديدة، تشمل المدن العمودية والمجمعات الذكية، وتسريع وتيرة مشاريع البيع على الخارطة.
منافسة على الجودة… لا على السعر فقط
مع توسع قاعدة الطلب وتنوع أدوات الاستثمار، تتزايد أهمية رفع جودة المعروض العقاري. ويؤكد شقير أن تلبية الطلب المتنامي 'تتطلب استقطاب مطورين يمتلكون خبرات عالمية في بناء المدن الحديثة'، معتبرًا أن نظام تملك الأجانب 'يسهم في خلق منافسة صحية ترفع جودة المنتج وتسهم في ضبط الأسعار'.
خلاصة المشهد
يعكس تكامل التشريعات والرقمنة والحلول التمويلية انتقال السوق العقاري السعودي من مرحلة النمو السريع إلى مرحلة أكثر تنظيمًا ونضجًا. ويرى سامر شقير أن هذا التوافق 'يتناغم مع نجاح البرامج الوطنية لجذب المقرات الإقليمية، ويعزز مفهوم الاستقرار السكني والوظيفي'، ما يدعم تحول المدن السعودية إلى مراكز جذب عالمية للعيش والعمل والاستثمار.
وبينما تتضح ملامح المرحلة الجديدة، يبقى التحدي الأهم في قدرة السوق على إدارة هذا النمو بكفاءة، وضمان توازن مستدام بين الجاذبية الاستثمارية وتلبية احتياجات المواطن.










































