اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢١ أيار ٢٠٢٦
علي بن محمد الغامدي
المنافسة العالمية على الذكاء الاصطناعي تحولت من سباق تقني بين شركات وادي السيليكون إلى معركة اقتصادية ضخمة تدور حول مراكز البيانات والطاقة والرقائق والبنية الرقمية، فالشركات الكبرى العالمية أصبحت تضخ مئات المليارات لبناء اقتصاد تقني جديد، فيما تتعامل الحكومات مع الذكاء الاصطناعي باعتباره أصلًا استراتيجيًا يعادل النفط والغاز في أهميته الاقتصادية خلال العقود القادمة.
هذا التحول يفسر لماذا أصبحت مراكز البيانات اليوم من أكثر الأصول الجيوسياسية حساسية في العالم، ولماذا تتسابق الدول لاستقطاب شركات الحوسبة السحابية وتوفير البيئة التنظيمية والبنية التحتية القادرة على تشغيل اقتصاد الذكاء الاصطناعي، فالقيمة الحقيقية اليوم باتت في مدى القدرة على استضافة وتشغيل وإدارة هذا الاقتصاد بالكامل.
وسط هذا المشهد، تبدو السعودية في موقع استثنائي يسمح لها بلعب دور يتجاوز فكرة 'السوق المستهلكة' إلى مركز إقليمي للاقتصاد الرقمي القادم، المملكة تمتلك عناصر نادرة يصعب اجتماعها في كثير من الأسواق الناشئة؛ بنية اتصالات متقدمة، انتشارًا واسعًا للإنترنت، مشاريع سحابية ضخمة، توسعًا متسارعًا في مراكز البيانات، بيئة تنظيمية مرنة، واستثمارات سيادية قادرة على دعم التحولات طويلة المدى.
رؤية السعودية 2030 تعاملت مبكرًا مع التحول الرقمي باعتباره مشروعًا اقتصاديًا متكاملًا، وليس مجرد تحديث للخدمات الحكومية، لذلك شهدت المملكة خلال السنوات الماضية استثمارات ضخمة في البنية الرقمية والحكومة الإلكترونية والحوسبة السحابية والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي، إلى جانب تطوير التشريعات المرتبطة بالبيانات والاقتصاد الرقمي.
الذكاء الاصطناعي القادم في المملكة سيعيد تشكيل قطاعات كاملة، من الإعلام والتسويق إلى الخدمات المالية والتجارة الإلكترونية والتعليم والرعاية الصحية وإدارة المدن، ومع التوسع في هذه التقنيات ستظهر صناعات جديدة تعتمد على البيانات والخوارزميات والتشغيل الذكي.
في قطاع التسويق تحديدًا، بدأت الشركات تتحول نحو نماذج تعتمد على الذكاء الاصطناعي لفهم سلوك المستهلك وصناعة المحتوى وإدارة الحملات الإعلانية وتحليل البيانات اللحظية، اضافة الى أن المنصات الرقمية نفسها باتت تبني أنظمة توصية وتخصيص معقدة قادرة على التأثير في قرارات الشراء والاهتمامات والسلوك اليومي للمستخدمين، مما يعني أن القيمة الاقتصادية القادمة ستكون مرتبطة بمن يمتلك البيانات والبنية التحليلية والقدرة على تشغيل الذكاء الاصطناعي بكفاءة.
السعودية تمتلك فرصة كبيرة في هذا الجانب، خصوصًا مع النمو المتسارع للتجارة الإلكترونية وارتفاع استخدام المنصات الرقمية وزيادة الاعتماد على التطبيقات والخدمات الذكية، كما يتميز السوق السعودي بشريحة شابة عالية التفاعل مع التقنية، وهو عنصر محوري في بناء اقتصاد رقمي قادر على الابتكار والتوسع.
حتى قطاع الإعلام يشهد تحولًا عميقًا تحت تأثير الذكاء الاصطناعي، فالمؤسسات الإعلامية العالمية بدأت تعتمد على أنظمة توليد المحتوى وتحليل الجمهور وتخصيص الأخبار وتوجيه الإعلانات بشكل آلي، ومع المشاريع الإعلامية والترفيهية الضخمة التي تشهدها المملكة، نجد أنها تمتلك فرصة حقيقية لتصبح أحد أبرز مراكز صناعة المحتوى الرقمي والإعلام المدعوم بالذكاء الاصطناعي في المنطقة.
الرهان الحقيقي خلال السنوات القادمة مرتبط بمدى القدرة على بناء منظومة اقتصادية متكاملة تدور حول الذكاء الاصطناعي، والدول التي ستنجح في توفر الطاقة والبنية الرقمية والكوادر والتشريعات والاستثمارات، ستكون الأقرب لقيادة الاقتصاد العالمي القادم، وهنا تحديدًا تتحرك السعودية مبكرًا لحجز موقعها بين أهم اللاعبين في اقتصاد رقمي ما زال في بداياته الأولى.










































