اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٦ أيار ٢٠٢٦
د. مُعتز العتيبي *
سألني مرة أحد الزملاء ونحن نتبادل الحديث عن آلية عمل بعض المؤسسات الحكومية: ما الذي يجعل جهة (س) ناجحة وجهة (ص) تبذل نفس الجهد وتحصد نصف النتائج؟ بصراحة دفعني هذا السؤال إلى قدر كبير من التأمل والمراجعة والملاحظة والمناقشة وتوصلت إلى: أن (س) تعمل بذاكرة مؤسسية، وأن (ص) تعمل بذاكرة أفراد.
وهذا الفرق وحده يصنع كل شيء. المؤسسات لا تفشل لأنها تفتقر إلى الكفاءات، بل لأن كفاءاتها تعيش في عقول أفراد لا في بنية تشغيلية، فقد شاهدت بنفسي فريقاً يحل أزمة معقدة خلال أيام، ثم يواجه الأزمة ذاتها بعد ستة أشهر كأنه يراها لأول مرة، فالحل مات مع المشكلة ولم يتحول إلى إجراء، فالقائد كان يعرف لكن المؤسسة لم تكن تعرف، وهذا فرق جوهري لا يظهر في التقارير.
برامج التحول الوطني ستجعل هذا التحدي أكثر وضوحاً وأشد قسوة، فحين تنتقل مؤسسة من بيئة محمية إلى بيئة تنافسية، يتوقف السؤال عن أن يكون “هل نؤدي واجباتنا؟” ويصبح “هل ننتج قيمة حقيقية؟” والفرق بين السؤالين هو الفرق بين مؤسسة مرنة ومؤسسة جامدة. القائد الذي يتخذ مئة قرار يومياً ليس بالضرورة قائداً فاعلاً.
قد يكون قائداً لمؤسسة لم تبنِ أنظمة تتخذ القرارات الاعتيادية نيابةً عنه، فالقائد الحقيقي يُقاس بعدد القرارات التي تحولت في مؤسسته إلى سياسات، والسياسات إلى إجراءات، والإجراءات إلى عادات لا تحتاج إلى أمر منه.
المؤسسة التي تتوقف حين يغيب قائدها، لم تبنِ مؤسسة، بل بَنَت شخصاً. الاختبار بسيط: خذ أي نجاح حققته مؤسستك مؤخراً واسأل، هل كان سيحدث لو غاب الشخص الذي صنعه؟ إن ترددت في الإجابة، فالصمت أوضح من الجواب.
رؤية 2030 ليست تحدياً للموارد، نحن نملك من الموارد ما يكفي، هي تُعتبر تحدٍّ للأنظمة، والمؤسسات التي ستقود هذه المرحلة ليست الأعلى ميزانية ولا الأكبر حجماً، بل تلك التي حين تسألها من أين تأتي نتائجك تُجيبك دون أن تفكر، لأن الإجابة مبنية في طريقة عملها لا في خبرة أحد موظفيها.










































