اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١ أيلول ٢٠٢٦
هل نستخدم الذكاء الاصطناعي أم لا؟ يفقد هذا السؤال في عالم اليوم قيمته، لأن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءًا من العمل والتعليم والإعلام والبحث والكتابة وصناعة المحتوى، وسيزداد حضوره وتأثيره في حياتنا.
ونفس هذا السؤال تكرر طرحه وسيتكرر مستقبلًا أمام كل تقنيات مستحدثة وأدوات معرفية مبتكرة، تكرر سابقًا مع ظهور الموسوعات الرقمية، ومع محركات البحث وفي مقدمتها 'جوجل'، لذا نقول أن هذا السؤال يفتقد قيمته اليوم ويصبح بلا معنى إذا ما أدركنا تطور الزمن وأدواته.
بيد أن السؤال الأهم والذي يفرض نفسه بقوة: كيف نستخدم الذكاء الاصطناعي، وما هي حدود استخداماته، وأين تبدأ الاعتمادية عليه وأين تنتهي؟! فالخطر الحقيقي للذكاء الاصطناعي ربما لا يكمّن في أن يصبح أكثر ذكاءً، بقدر ما يكمّن في أن نصبح نحن أقل رغبة في التفكير.
خلال فترة قصيرة، انتقلنا من استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي للبحث والترجمة والتدقيق وتوليد الأفكار، إلى الاعتماد عليها في كتابة التقارير والأبحاث والخطب والمحتوى بكافة أنواعه، وفي بعض الحالات لم يعد الإنسان يطلب من الآلة أن تساعده في التعبير عن فكرته، بل يطلب منها أن تنتج الفكرة نفسها وتصوغها وتدافع عنها، ثم يتبناها وينشرها باسمه؛ وهنا يكمن جوهر المعضلة ومصدر التحدّي.
فالكاتب الذي كان يقرأ ويبحث ويقارن ويحذف ويعيد الصياغة يستطيع اليوم أن يطلب مقالًا كاملًا خلال ثوانٍ. والصحفي يستطيع الحصول على أسئلة لمقابلة لم يفكر فيها، والطالب يستطيع تقديم بحث لم يقرأ مصادره، والمسؤول يستطيع إلقاء خطاب لم يشارك في بناء أفكاره، ما يعكس ببساطة مفهوم 'التوكيل' .. التوكيل بالتفكير، والبحث والصياغة والإحساس لننتقل بشكل مباشر إلى مفهوم أكثر خطورة عنوانه الكسل الذهني وتفريغ المحتوى من الهوية الشخصية التي تحكمها قدرات الإنسان الذاتية وبالتالي تلاشي فكرة التميّز حيث الخط الرفيع الذي يفصل بين الناس ويمنحهم خصوصيتهم وصبغتهم الجينية الفكرية. لقد اختصرنا الوقت، وهذا إنجاز، لكن السؤال: ماذا اختصرنا معه؟ هل اختصرنا الجهد فقط، أم بدأنا نختصر التفكير أيضًا؟ في علم النفس المعرفي هناك مفهوم يعرف بـ«التفريغ المعرفي» (Cognitive Offloading)، أي نقل بعض المهام التي كان يؤديها العقل إلى أدوات خارجية لتخفيف الجهد الذهني، فنحن نفعل ذلك منذ سنوات؛ فالآلة الحاسبة تقوم بالحساب، والهاتف يتذكر الأرقام والمواعيد. لكن الذكاء الاصطناعي نقلنا إلى مستوى مختلف؛ لأننا لم نعد نفوض إليه الذاكرة والحساب فقط، بل بدأنا نفوض إليه التحليل والاستنتاج والتفكير والكتابة، وربما الرأي أيضًا.
وهذا يفتح الباب لوصف «الكسل الذهني»: لماذا أبحث إذا كانت الآلة تستطيع البحث؟ لماذا أقرأ عشر صفحات إذا كان بإمكانها تلخيصها في ثوانٍ؟ ولماذا أتعب في بناء فكرة إذا كانت تستطيع تقديمها لي جاهزة؟ وقد بدأت الدراسات تطرح أسئلة جدية حول ذلك، ففي دراسة قدمها باحثون من Microsoft Research عام 2025، شملت 319 من العاملين في الوظائف المعرفية و936 حالة استخدام حقيقية للذكاء الاصطناعي التوليدي، وجد الباحثون أن ارتفاع الثقة بقدرة الذكاء الاصطناعي على إنجاز المهمة ارتبط بجهد أقل في ممارسة التفكير النقدي، فيما ارتبطت الثقة بقدرات الشخص نفسه بمزيد من التفكير النقدي.
وفي تجربة أخرى أجراها باحثون في MIT Media Lab حول كتابة المقالات، قورنت مجموعات استخدمت نموذجًا لغويًا أو محرك بحث أو اعتمدت على قدراتها فقط. وأظهرت النتائج الأولية اختلافات في أنماط الترابط الدماغي، كما واجه مستخدمو النموذج صعوبة أكبر في تذكر واقتباس ما كتبوه. وناقش الباحثون مفهومًا مثيرًا للاهتمام أطلقوا عليه «الدَّين المعرفي» (Cognitive Debt).
وبالطبع لا يعني ذلك أن استخدام الذكاء الاصطناعي يجعل الإنسان أقل ذكاءً؛ فهذه مساحة بحثية لا تزال تتطور، لكن السؤال الذي يستحق الاهتمام: ماذا يحدث للعقل عندما يتوقف تدريجيًا عن ممارسة المهام التي أصبحت الآلة تؤديها عنه؟ ولعل الوقائع العملية أكثر تعبيرًا من الدراسات. ففي الولايات المتحدة، ظهر هذا العام 2026 مثال شديد الدلالة من داخل الكونغرس نفسه، فقد أرسل مكتب النائبة الجمهورية Anna Paulina Luna ملخصًا لتعديل تشريعي ضمن العمل على مشروع قانون الدفاع، لكن النص المنشور حمل معه بقايا واضحة من المحادثة مع نموذج Claude، بما فيها عبارة “Claude responded” وتوقيت المحادثة، أي أن إجابة الآلة نُسخت إلى السجل العام دون أن ينتبه أحد إلى إزالة آثار المحادثة. المفارقة ليست في أن موظفًا في الكونغرس استخدم الذكاء الاصطناعي؛ فهذا أصبح أمرًا شائعًا، المفارقة أن الاعتماد عليه تجاوز مرحلة الاستعانة إلى درجة أن النص انتقل إلى وثيقة عامة قبل مراجعته بالشكل الكافي.
وفي كندا، وقع السياسي Bill Oliver في موقف أكثر إحراجًا عندما كان يلقي خطابًا داخل المجلس التشريعي لمقاطعة New Brunswick، وبينما كان يقرأ النص، قرأ بصوت مرتفع جملة تبدو بوضوح وكأنها تعليمات من أداة ذكاء اصطناعي حول جعل النص أكثر طبيعية وانسيابية وأقرب إلى الخطاب التشريعي، فتحولت لحظة سياسية رسمية إلى مقطع واسع التداول يكشف ببساطة أن المتحدث لم يراجع جيدًا النص الذي كان يلقيه. والصحافة ليست بعيدة عن ذلك، ففي عام 2025 نُشرت ضمن ملحق صيفي وزع مع Chicago Sun-Times قائمة تضم 15 كتابًا مقترحًا للقراءة، اتضح لاحقًا أن عشرة منها غير موجودة أصلًا، رغم نسبتها إلى كتّاب حقيقيين، وأقر الكاتب المستقل المسؤول عن المادة باستخدام الذكاء الاصطناعي وعدم التحقق الكافي من النتائج.
تخيل المفارقة: توصيات للجمهور بقراءة كتب لم يقرأها كاتب المادة، بل بكتب لم يكتبها أحد أصلًا. وهنا نصل إلى جوهر المسألة. المشكلة ليست في الذكاء الاصطناعي، بل في الاتكالية عليه، وفي خطورة تفريغ الأفكار والأبحاث والمحتوى من أنسنتها، لتصبح الآلة أو الأداة هي من تفكّر وتخطط وتكتب وتطرح وتنتقد فيما نكتفي نحن بمهمة 'المشاركة'، مع عدم تجاهل أن ذلك كله لا يعفي المرء من مسؤولية ما خطّه غيره ونقله باسمه!
يمكن للصحفي أن يستخدم الذكاء الاصطناعي لتفريغ مقابلة طويلة، وتحليل البيانات، واقتراح زوايا وأسئلة، ويمكن للكاتب استخدامه لمناقشة أفكاره وكشف نقاط الضعف فيها، ويمكن للباحث الاستفادة منه للوصول إلى مسارات بحثية جديدة. لكن هناك فرقًا بين أن تقول للآلة أو الأداة أو محرك البحث: «ساعدني على التفكير»، وأن تقول: «فكّر بدلًا عني». فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يكتب عن الخوف دون أن يخاف، وعن الفقد دون أن يفقد، وعن الحرب دون أن يسمع قذيفة، وعن الحب دون أن يحب، يستطيع محاكاة الأسلوب، لكنه لا يمتلك التجربة الإنسانية التي صنعت ذلك الأسلوب، وهذا هو مربط الفرس وأصل الحكاية، لأن التجربة الإنسانية وحدها من تستطيع خلق حالة عدم التماثل بين الناس، وهي التي تمنح الإنسانية ذلك التنوع المنشود والجذاب وتصونها من حالة التعليب حيث كل شيء يصبح شيء واحد متماثل في اللون والذائقة ومنزوع منه صفة الاختلاف والشعور الذي يولّد التأثير الحقيقي الذي يلامس وجدان الآخرين وعقولهم، ما يعني فقدان الرسالة المعرفية لأهم عناصرها.
لذلك، لسنا بحاجة إلى مقاومة الذكاء الاصطناعي، بل إلى تعلم استخدامه بطريقة تحافظ على الإنسان داخل العملية الفكرية. استخدمه ليوسع خياراتك، لا ليختار عنك، دعه يساعدك في البحث، لكن لا تتخلَّ عن التحقق، اطلب منه أن يعارض فكرتك ويكشف نقاط ضعفها، بدلًا من أن يصنعها نيابة عنك، دعه يحسن نصك، لكن دع الفكرة فكرتك، والموقف موقفك، والصوت صوتك. فالمستقبل لن يكون لمن يرفض الذكاء الاصطناعي، ولن يكون بالضرورة لمن يعتمد عليه أكثر من غيره، بل لمن يعرف كيف يستخدمه دون أن يتنازل له عن أهم ما يملكه الإنسان: عقله. فالذكاء الاصطناعي أداة عظيمة لتوسيع قدرتنا على التفكير، شريطة ألا نسمح له بأن يفكر نيابةً عنا.










































