اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١١ أذار ٢٠٢٦
قراءة - فهد الأحمري
في عالمٍ تضجُّ فيه أرففُ المكتبات بكتبِ 'التحفيز السريع' التي تذوبُ كقطراتِ ندى تحت شمس الواقع، يأتي كتاب 'صناعة العملاق' للدكتور سعد السبيعي، ليقدم شيئاً مختلفاً؛ هو لا يبيعُ للقارئ أحلاماً وردية، بل يضع بين يديه 'دليلاً تشغيلياً' لصناعة الأثر.
يفتتح سعد كتابه بجرأةٍ معرفية؛ إذ يغسلُ أوهام 'قصص نجاح الأفلام' عن أعيننا، ليخبرنا أن الريادة ليست محض إلهامٍ مفاجئ، بل هي هندسةٌ دقيقة للأهداف.
وتتجلى براعة السبيعي في مقدمة الكتاب التي تعد إعلان مبادئ، حيث يضع القارئ أمام مرآة الواقع، مؤكداً أن العظمة ليست صفةً موروثة، بل 'صنعة' تبدأ من العقل وتكتملُ بالعمل المنهجي الرصين، محذراً من فخاخ التسرع التي تبتلع الطموحات قبل أن ترى النور.
ينطلق سعد بعد ذلك في رحلةٍ تصاعدية محكمة، يبدؤها في الفصل الأول بنسفِ أعذار التردد، محولاً الريادة من مجرد خيار وظيفي إلى ضرورة اقتصادية وفعلٍ وجودي يحرك عجلة الابتكار، حيث يضع القارئ أمام حقيقة أن الريادة هي المحرك الأول للنمو، وبداية الطريق نحو بناء أصولٍ باقية.
لا يتركنا الكاتب عند سقف التنظير، بل يعرج بنا في الفصل الثاني إلى رحلة 'الخبرة'، مؤكداً أن 'ندوب' التجربة هي أوسمةُ القائد، إذ يفكك مفهوم الفشل ليحوله إلى وقودٍ للمستقبل، موضحاً أن الحكمة لا تُكتسب إلا بمزج التجارب الشخصية بأسئلة الخبراء، وكأن كل عثرة هي درسٌ في مدرسة العظماء.
وتتوالى الرؤية لتنضج وتتبلور في الفصل الثالث، الذي يُعد بمثابة 'حاضنة للعملاق'؛ وفيه يغوص بنا سعد في تفاصيل البناء التأسيسي الذي لا مجال فيه للعشوائية.
هنا، يضع القارئ أمام استحقاقات الواقع، من الإجراءات القانونية الصلبة، إلى اختيار فريقٍ يرى في العمل قضيةً تستحق التضحية، مروراً بذكاء التمويل الذي يُعد الوقود الحقيقي لأي انطلاقة.
ومع تقدم الصفحات، يطرح سعد في الفصل الرابع معادلةً عبقريةً تلخص جوهر القائد، وهي كيف ترفع سقف طموحك إلى السماء بينما تظل قدماك راسختين في تفاصيل الواقع التشغيلي. إنه تحذيرٌ بليغ من 'أبراج العاج' الإدارية، وتدعيمٌ لفلسفة القائد الذي يلمس بيده كل تفصيلةٍ في خط الإنتاج، مدركاً أن قوة البناء تبدأ من القاعدة لا من القمة.
في الفصل الخامس، يواجهنا سعد بواحدة من أصعب معارك الريادي: 'معضلة النمو'. هنا، يفكك التحديات الجسيمة التي تكمن خلف الرغبة في التوسع، محذراً من أن 'ليس كل نموٍ جيداً'!
يشرح سعد كيف يمكن للطموح غير المنضبط أن يتحول إلى فخ، ويقدم لنا خارطة طريق للتوازن الاستراتيجي بين النمو العمودي الذي يعمق السيطرة على السوق، والتوسع الأفقي الذي يفتح آفاقاً جديدة.
وهنا درس في إدارة الكفاءة بصرامة، وكيف نبتكر تحت الضغط، مؤكداً أن 'المليار الأول' ليس نهاية المطاف، بل مجرد محطة في رحلةٍ لا تعترف بالسقف. يضع سعد القارئ أمام حقيقة أن التوسع يعني مخاطر مضاعفة، لكنها مخاطر لازمة لمن يطمح للسيادة في سوقٍ دائم التقلب، مبيناً أن البقاء للأذكى في إدارة موارد النمو لا للأسرع فحسب.
وأخيراً، يختم سعد رحلته في الفصل السادس بـ'أدب القيادة'، حيث يرسم صورةً للقائد المتنقل بسلاسةٍ بين كونه عضواً في الفريق يشارك في خندق العمل، وبين كونه ربان السفينة الذي يقود بـ'الرؤية لا بالسلطة'، ليخلص في النهاية إلى أن 'العملاق' هو كل من يملك الشجاعة ليضع بصمته في التاريخ.
إن كتاب 'صناعة العملاق' ليس مجرد عملٍ إداري، بل هو 'رفيقُ سفر' لكل من قرر أن يغادر مقاعد المتفرجين؛ إذ تفيضُ لغة سعد السبيعي فيه بوقارٍ مهني وحكمةٍ عملية تجعل القارئ يشعر وكأنه في حوارٍ مباشر مع خبيرٍ خاض غمار التجربة.
لقد استطاع سعد بهذا المؤلف أن يضع 'دستوراً' لمن يطمحون إلى ترك أثرٍ لا تمحوه الأيام، مما يجعل اقتناء هذا الكتاب ليس مجرد إضافة لمكتبتك، بل خطوةً أولى وعملية نحو العظمة التي يستحقها كل طموحٍ صادق.










































