اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٧ أب ٢٠٢٦
أ.د. فهد مطلق العتيبي
تنتشر في عدد من المجتمعات العربية والإسلامية ظاهرة 'الولي الصالح'، حيث تتحول قبور بعض العلماء أو الزهاد أو الشخصيات ذات المكانة إلى مزارات، ثم تنشأ حولها مع الزمن منظومة من الحكايات والطقوس والممارسات الشعبية. وقد تصل بعض هذه الممارسات إلى طلب قضاء الحاجات أو التبرك بالمكان أو الاعتقاد بخصوصية صاحبه في دفع الضر أو جلب النفع. غير أن هذه الظاهرة ليست واحدة في جميع المجتمعات الإسلامية، كما تختلف صورتها ودرجة حضورها من بلد إلى آخر.
ولا يمكن تفسير انتشارها بعامل ديني منفرد؛ فهي في جانب مهم منها ظاهرة تاريخية واجتماعية وثقافية. فقد بينت الدراسات التاريخية أن زيارة مقامات الصالحين أصبحت منذ العصور الوسطى جزءًا من الثقافة الدينية الشعبية في مناطق واسعة من مصر والشام والمغرب وغيرها، وارتبطت بعض الأضرحة بالمدارس والمساجد والمواسم، بل والاقتصاد المحلي.
كما ساعد انتشار الطرق الصوفية، ولا سيما في بعض البيئات، على ترسيخ مفهوم البركة المرتبطة بـ'الشيخ' الصالح، ثم انتقلت مكانته بعد وفاته إلى قبره أو مقامه. ومع تعاقب الأجيال تتداخل السيرة التاريخية مع الذاكرة الشعبية، فيصبح 'الولي' جزءًا من هوية المكان (القرية أو المدينة). وفي المغرب العربي -على سبيل المثال- تؤكد دراسات اجتماعية استمرار الظاهرة بوصفها ممارسة سوسيوثقافية ترتبط بعوامل دينية واجتماعية واقتصادية متشابكة.
وهنا ينبغي لنا التمييز بين زيارة القبور المشروعة للرجال بقصد الاتعاظ والدعاء للميت، وبين تحويل الميت نفسه إلى واسطة بين الله والناس تُطلب منها الحاجات. وهذا التفريق مهم؛ لأن الخلاف بين الاتجاهات الإسلامية لا يدور حول مجرد وجود رجل صالح أو محبته، وإنما حول طبيعة الممارسة التي تنشأ حول قبره.
ومن هنا يمكن فهم اختلاف الحالة السعودية. فقد نشأت الدولة السعودية في بيئة ارتبط مشروعها الديني منذ القرن الثامن عشر بتجريد التوحيد ومحاربة ما عُدَّ من وسائل الشرك والبدع المتعلقة بالقبور. ولذلك لم تتوافر في المملكة البيئة المؤسسية والاجتماعية نفسها التي سمحت في مجتمعات أخرى بتحول قبور الصالحين إلى مزارات شعبية. ويظهر استمرار هذا المنهج في الخطاب الديني الرسمي الذي يحذر من بناء المساجد على القبور واتخاذها مواضع لممارسات قد تفضي إلى الغلو في أصحابها.
وهنا تكمن خصوصية التجربة السعودية. فالقيمة الحقيقية ليست في إنكار وجود الأولياء والصالحين؛ فالولاية والصلاح مفهومان أصيلان في الإسلام، وإنما في عدم تحويل الصالح من قدوة يُقتدى بها إلى وسيط يُلتجأ إليه. وهذا من أبرز جوانب نقاء المنهج السلفي السعودي القائم على إبقاء العلاقة التعبدية مباشرة بين الإنسان وربه، وصيانة مقام التوحيد من تراكم الأساطير والممارسات الشعبية حول الأشخاص والقبور. فالصالح في هذا المنهج يُحَب ويُحترم ويُترحَّم عليه، ولكن العبادة والدعاء والاستغاثة فيما لا يقدر عليه إلا الله تبقى لله وحده. وهنا قد نتوقف أمام حقيقة مهمة وهي أنه كلما عظمت مكانة الصالح، ازدادت الحاجة إلى حماية سيرته من الأسطورة؛ لأن أعظم تكريم له أن يُقتدى بصلاحه، لا أن يتحول قبره إلى بديل عن رسالته مما يشوه هذه السيرة.










































