اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١١ تشرين الأول ٢٠٢٦
د. مشاري النعيم
النرجسية الجمعية نمط ثقافي يقوم على المبالغة في تمجيد الجماعة، وتوقع اعتراف الآخرين بأفضليتها، والحساسية تجاه نقدها.. وهي تنشأ حين يصبح الانتماء مصدرًا لاستحقاق التفوق، وحين يتعلم الفرد أن مكانته محفوظة سلفًا، بصرف النظر عمّا يقدمه.. عندها تتسع الأنا لتشمل الجماعة، ويصبح الدفاع عن صورتها جزءًا من الدفاع عن الذات، حتى لو اقتضى ذلك إنكار الواقع أو التقليل من الآخرين..
كيف يتعلم الإنسان أنه أفضل من غيره قبل أن يفعل شيئًا يستحق عليه التقدير؟ هذا السؤال يقودنا إلى تأمل دور التنشئة الاجتماعية في بناء صورة الفرد عن ذاته وعن الجماعة التي ينتمي إليها. فالشعور بالأفضلية قد يتشكل في سنوات مبكرة، من كلمات تتكرر في البيت، وحكايات تُروى عن الماضي، وخطاب يربط قيمة الإنسان بانتمائه أكثر مما يربطها بعمله وسلوكه. ومع الزمن، تتحول هذه الصورة إلى قناعة لا يشعر صاحبها بالحاجة إلى اختبارها، لأنه نشأ على أنها حقيقة.
لا يمكن، لذلك، فهْم مظاهر النرجسية بمعزل عن السياق الاجتماعي الذي يغذيها. والمقصود هنا بالنرجسية الجمعية نمط ثقافي يقوم على المبالغة في تمجيد الجماعة، وتوقع اعتراف الآخرين بأفضليتها، والحساسية تجاه نقدها. وهي تنشأ حين يصبح الانتماء مصدرًا لاستحقاق التفوق، وحين يتعلم الفرد أن مكانته محفوظة سلفًا، بصرف النظر عما يقدمه. عندها تتسع الأنا لتشمل الجماعة، ويصبح الدفاع عن صورتها جزءًا من الدفاع عن الذات، حتى لو اقتضى ذلك إنكار الواقع أو التقليل من الآخرين.
وقد لفت انتباهي منذ زمن أن بعض البيئات الاجتماعية تعيد إنتاج شعور بالتفوق يتجاوز ما تبرره منجزاتها الفعلية. يتحدث أفرادها عن أنفسهم كما لو أنهم يمتلكون أفضلية ثابتة، ثم يتعاملون مع الآخرين على أساسها. وهذه الصورة تنتقل عبر الأجيال من خلال اللغة والمواقف اليومية؛ فالطفل الذي يسمع باستمرار أن جماعته أذكى أو أرقى أو أكثر أصالة، ولا يُطلب منه فهم أسباب هذا الحكم، يتعلم ترتيب الناس قبل أن يتعلم معرفتهم. وقد يكبر وهو يظن أن استصغار غيره تعبير مشروع عن اعتزازه بنفسه.
أن تحب بلدك وتعتز بثقافتك أمر طبيعي، وله أثره في الإحساس بالانتماء والمسؤولية. لكن هذا الاعتزاز يحتاج إلى وعي يضبطه، حتى لا يتحول إلى نظرة دونية تجاه الآخرين. فحب الوطن يتجلى في العناية به، وفي العمل على تطويره، وفي القدرة على رؤية ما يحتاج إلى إصلاح. أما حين يصبح كل نقد إساءة، وكل مقارنة تهديدًا، فإن الانتماء يتحول إلى حصانة تمنع المراجعة. وهنا تكمن المشكلة التربوية: كيف نعلّم أبناءنا الاعتزاز بما ينتمون إليه، ونمنحهم في الوقت نفسه القدرة على مساءلته؟
يبدأ ذلك من الطريقة التي نمدح بها الطفل، ومن المعنى الذي نعطيه للنجاح. فعندما نثني على جهده، وعلى صدقه واحترامه للآخرين، نربط تقديره لذاته بسلوك يستطيع تطويره. أما حين نمدحه لمجرد انتمائه، ونخبره أن الآخرين أقل منه، فإننا نمنحه شعورًا بالتفوق لا يتطلب منه أي مسؤولية. ويزداد الأمر تعقيدًا عندما يشاهد الكبار يسخرون من جماعات أخرى، ثم يسمع منهم دعوات إلى الاحترام والتواضع. فالتنشئة تتشكل بما يراه الطفل في الممارسة، وبما يُسمح له بقوله وفعله، أكثر مما تتشكل بالمواعظ.
وقد اتسعت أدوات هذه التنشئة اليوم لتشمل الفضاء الرقمي، حيث يسهل بناء صورة مثالية عن الذات والجماعة، وانتقاء ما يؤكدها، وإبعاد ما يناقضها. وفي بعض أنماط التفاعل على وسائل التواصل، يُكافأ الخطاب الأكثر مبالغة، وتُختزل المقارنات في مفاخرة متواصلة. يصبح الظهور دليلًا على الأهمية، وكثرة الإعجاب دليلًا على صحة القول، بينما يتراجع السؤال عن القيمة الفعلية لما يُعرض. وحين يتكرر هذا الخطاب في التعليم والإعلام، يكتسب سلطة أوسع، ويغدو جزءًا من الطريقة التي يفهم بها المجتمع موقعه في العالم.
وتظهر كلفة هذا النمط عندما يواجه المجتمع قصورًا يحتاج إلى معالجة. فالاعتراف بالخطأ يصبح مؤلمًا لأنه يصطدم بصورة التفوق التي اعتادها، وقد يُنظر إلى صاحب الملاحظة بوصفه خصمًا بدلًا من مناقشة ما يقوله. كذلك يصبح التعلم من الآخرين أصعب، لأن الاستفادة من تجاربهم تتطلب الاعتراف بأن لديهم ما نفتقده. وهكذا ينشغل المجتمع بحماية صورته، ويستهلك طاقته في تبرير القصور، بينما تتأخر الأسئلة العملية عن أسبابه وسبل تجاوزه. إنه يفضّل الشعور بالتفوق على تحمل متطلبات تحقيقه.
إن مراجعة هذه التنشئة تستدعي إعادة النظر في السرديات التي نكررها، وفي الأمثلة التي نقدمها للأجيال، وفي تعريفنا للنجاح. فالتواضع يسمح للإنسان أن يرى قدراته وحدودها، والاعتراف بقيمة الآخرين يفتح أمامه فرص التعلم والتعاون. والمجتمع الواثق بقدراته يستطيع أن يحتفي بمنجزاته، وأن يناقش إخفاقاته بالقدر نفسه من الوضوح. لذلك يبدأ النضج الاجتماعي حين تصبح صورة الجماعة قابلة للمراجعة، وحين يتعلم أبناؤها أن الانتماء يحمل مسؤولية، وأن المكانة تُبنى بالعمل. أما التفوق الذي لا يحتمل السؤال، فسيظل محتاجًا إلى المديح كي يحافظ على وجوده.










































