اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٣١ أذار ٢٠٢٦
حسين بن حمد الرقيب
في أوقات الحروب والتوترات الجيوسياسية، تتغير طبيعة الأسواق المالية بشكل ملحوظ، لم تعد تتحرك فقط بناءً على نتائج الشركات أو المؤشرات الاقتصادية، بل أصبحت شديدة الحساسية للأخبار السياسية والتطورات الميدانية، خبر عاجل قد يدفع الأسواق للهبوط، وتصريح مطمئن قد يعيدها للارتفاع في نفس اليوم، هذا التذبذب السريع يخلق بيئة مليئة بالضجيج، ويجعل اتخاذ القرار الاستثماري أكثر صعوبة وتعقيدًا، المشكلة التي يقع فيها كثير من المستثمرين خلال هذه الفترات هي التفاعل المفرط مع هذا الضجيج، عند أول إشارة هبوط، يسارع البعض إلى البيع خوفًا من خسائر أكبر، وعند أي ارتداد، يعودون للشراء بدافع تعويض ما فاتهم، هذه الدائرة من القرارات المتسرعة لا تؤدي في الغالب إلا إلى استنزاف رأس المال، حيث يتم البيع في لحظات ضعف السوق، والشراء في أوقات مبالغ فيها.
الاستثمار في مثل هذه الظروف لا يحتاج إلى سرعة بقدر ما يحتاج إلى وضوح رؤية، الشركات القوية التي تمتلك أساسيات متينة، ونماذج أعمال مستقرة، وقدرة على توليد النقد، تظل الخيار الأكثر أمانًا نسبيًا، صحيح أنها قد تتأثر مؤقتًا بالتقلبات، لكن تجربتنا مع الأسواق تؤكد أن هذا النوع من الشركات غالبًا ما يستعيد عافيته، بل ويخرج من الأزمات أكثر صلابة.
في المقابل، تصبح الأسهم الضعيفة أكثر هشاشة في أوقات الأزمات، الشركات التي تعاني من مديونية مرتفعة، أو ضعف في الربحية، أو اعتماد مفرط على ظروف اقتصادية مستقرة، تكون أول من يتأثر سلبًا، الاستمرار في الاحتفاظ بهذه الاستثمارات تحت ذريعة 'الانتظار حتى التعويض' قد يكون مكلفًا، لذلك فإن تقليل التعرض لها، أو الخروج منها عند الإمكان، يعد خطوة وقائية ضرورية.
جانب آخر لا يقل أهمية هو السيولة، كثير من المستثمرين ينظرون إلى السيولة على أنها فرصة ضائعة، لكنها في الواقع تمثل عنصر قوة في أوقات عدم اليقين، الاحتفاظ بجزء من المحفظة نقدًا يمنح المستثمر مرونة عالية، ويضعه في موقع يسمح له بالدخول عندما تتضح الرؤية وتظهر الفرص الحقيقية، فغالبًا ما تخلق الأزمات أسعارًا مغرية، لكن القادر على الاستفادة منها هو من احتفظ بقدرة التحرك.
الانضباط هنا هو العامل الفاصل، الأسواق بطبيعتها تمر بدورات، والأزمات ليست استثناءً بل جزء من هذه الدورات، المستثمر الذي يدرك ذلك ويتعامل مع المرحلة بوعي وهدوء يكون أقل عرضة للقرارات العاطفية، وأكثر قدرة على الحفاظ على توازنه، ليس المطلوب التنبؤ بكل حركة في السوق، بل تجنب الأخطاء الكبيرة التي يصعب تعويضها لاحقًا.
الخلاصة: يمكن القول إن الاستثمار خلال فترات التوتر لا يُقاس بمدى نشاط المستثمر، بل بجودة قراراته، التمسك بالأسهم القوية، تقليل المخاطر غير الضرورية، الاحتفاظ بسيولة كافية، والتحلي بالصبر، كلها أدوات بسيطة في ظاهرها، لكنها تصنع فرقًا كبيرًا في النتائج، فالأزمات رغم ما تحمله من قلق، تظل دائمًا مرحلة عابرة، وغالبًا ما تكون هي نفسها التي تفتح أبواب الفرص لمن يعرف كيف ينتظر ويتحرك في الوقت المناسب.










































