اخبار الكويت
موقع كل يوم -جريدة القبس الإلكتروني
نشر بتاريخ: ٤ تشرين الأول ٢٠٢٦
أمجد جمال -
منذ الصور الدعائية الأولى، التي خرجت من كواليس فيلم Digger، كان السؤال ماذا فعل توم كروز بنفسه؟ وجه لا نعرفه، مكياج غريب وملامح متورمة، وهيئة تبدو كأن الزمن عاقبها. الفضول تجاه الفيلم تفاقم، خصوصًا أنه يأتي بتوقيع المخرج المكسيكي الحاصل على الأوسكار أليخاندرو جونزاليس إيناريتو، صاحب أفلام Birdman وThe Revenant، وهو مخرج لا يصنع أفلاماً كي تمر بهدوء، أفلامه تحب أن تضع نفسها في مرمى النقاش، وأن تختبر حدود الوسيط السينمائي.
والنتيجة جاءت على قدر هذا الفضول. كروز وإيناريتو لم يبتعدا عن الطموح المنتظر منهما، وقدما فيلمًا مليئًا بالمجازفات الفنية، وخارجًا تمامًا عن منطقة الأمان، التي كان من الممكن أن يختاراها مع مشروع بهذا الحجم، والميزانية التي تجاوزت 125 مليون دولار. Digger بالفعل واحد من أغرب الأفلام التي يمكن أن تشاهدها في هوليوود حاليًا، وهو فيلم يستحق المشاهدة والنقاش والحديث عنه طويلًا، ليس لأنه فيلم متكامل أو مضمون التأثير، وإنما لأنه تجربة شديدة الخصوصية والاستقطاب، قد تحبه جدًا، وقد لا تطيقه على الإطلاق.
كارثة بيئية
يحكي الفيلم، في طبقته الظاهرية، عن «ديجر راكويل»، مستثمر شديد الثراء والنفوذ في مجال التنقيب عن البترول، يجد نفسه متورطا في صناعة كارثة بيئية تهدد مستقبل البشرية. العالم الذي صنع ثروته من استغلال موارده الطبيعية يبدأ في دفع ثمن هذا الاستغلال، بينما يحاول أصحاب السلطة والثروة التعامل مع الكارثة، ولكن من خلال مصالحهم وحساباتهم الخاصة.
اللافت أن Digger يتعامل مع هذه الفكرة منذ البداية بأسلوب يميل إلى المبالغة. الشخصيات مرسومة بدرجة كبيرة من الكاريكاتورية، والأداء أكثر صخبا من المعتاد، والتفاصيل البصرية والديكورات تتحركان أحيانًا في مساحة أقرب إلى المسرح الهزلي منها إلى الواقعية. في البداية يمكن أن يبدو هذا الاختيار غريبا، لكن مع تطور الفيلم يتضح أنه جزء أساسي من لغته؛ ولأسباب يتم تبريرها لاحقا بأفضل شكل ممكن.
فإيناريتو لا يريد تقديم نسخة واقعية من عالمنا، وإنما يريد تقديم عالم يشبه عالمنا، بعد أن يتم تضخيم تناقضاته إلى أقصى درجة. السياسيون يتصرفون بطريقة عبثية، أصحاب المال يواصلون التفكير بمنطق المصلحة، والصراعات الدولية تبدو أحيانًا منفصلة تمامًا عن الخطر الحقيقي الذي يواجه الجميع.
مفاجأة تغيّر شكل الفيلم
بحلول نصف الساعة الأول تقريبًا، تحدث مفاجأة على المستوى السردي، تجعلنا ننظر إلى الأحداث في سياق مختلف تمامًا. يدخل الفيلم في منطقة سرد ما ورائي metafiction (حين يعلق النص على نفسه، ويملك وعيا ذاتيا يكسر الإيهام ويبدد الحاجز بين الواقع والخيال)، أي تصبح هناك طبقات متعددة للحكاية، بحيث تمثل كل طبقة منها واقعا خاصا.
هذا التحول يمكن أن يسبب قدرًا من الإحباط للمتفرج لحظة الكشف عنه، خصوصًا أن أسلوب كسر الإيهام بهذا الشكل أصبح سيئ السمعة في السينما الحديثة. أن تكتشف فجأة أن ما تشاهده ربما يكون حلمًا، أو خيالًا في ذهن البطل، أو رواية يكتبها أحدهم، أو مسرحية لا تزال في طور البروفات، أصبح من الحيل السردية، التي يمكن أن تفقد تأثيرها إذا استخدمت لمجرد الاستعراض، أو التعقيد الأجوف.
إيناريتو سبق أن اقترب من هذه المنطقة في Birdman، الفيلم الذي حصل من خلاله على الأوسكار، لكنه استخدمها هناك بطريقة أقل راديكالية من Digger. هنا يأتي استخدام الميتافيكشن أكثر ارتباطًا ببنية الفيلم ورسالته، ولذلك أراه أكثر ملاءمة وضرورة.
والأهم أن هذه الطريقة تخدم الممثلين، وعلى رأسهم توم كروز، لأنها تمنح الأداء أكثر من مستوى ونبرة. الممثل لا يؤدي الشخصية نفسها داخل واقع واحد، وإنما يستطيع أن ينتقل بين مستويات مختلفة من الأداء، وهو ما يبرر بعض المبالغات، التي قد تبدو في البداية غير منطقية.
كما أن هذا الأسلوب يخدم فكرة الفيلم الأساسية المتعلقة بالنجاة البشرية وحماية الطبيعة، لكن من زاوية أخرى تتعلق بدور الفنان وواجبه تجاه مجتمعه. وهنا يصل الفيلم إلى استنتاج شديد السوداوية، ربما يكون الوقت قد فات أصلًا على الفنانين لكي يلعبوا دور الواعظ.
هذه الفكرة تجعل البناء الميتاسردي أكثر من مجرد استعراض، بل بناء يأخذ الفيلم إلى مساحة أكثر إثارة من الناحية الذهنية، ويجعله أكثر جاذبية بصريًا، وفي الوقت نفسه يسمح للفيلم بأن ينتقد نفسه: ينتقد إيقاعه، وأداء ممثليه، والمبالغات الموجودة فيه، وحتى النبرة الوعظية، التي تعتمد عليها أفلام كثيرة، عندما تتناول قضايا المناخ والكوارث.
مخرج يسيطر على العالم بطبقاته
نجاح الفيلم في التعامل مع هذه الطبقات يعود بدرجة كبيرة إلى المخرج. إيناريتو ينجح في إحكام بناء عالم متعدد المستويات، ويستخرج الكوميديا السوداء من عبثية المواقف. وهو يقدم فيلمًا كبيرًا من الناحية البصرية، لكن متعته لا تعتمد على الإبهار أو المؤثرات، وإنما على الأفكار الجمالية والتكوينات البصرية وتفاصيل بناء كل مشهد. وهناك حالة انصهار بين ميزانسين السينما وميزانسين المسرح، بطريقة تجعل الانتقال من مشهد لآخر لا يعتمد دائما على القطع التقليدي، بل تغيير زاوية الصورة فحسب.
كما يمزج إيناريتو بين أكثر من أسلوب ونبرة، هناك المهزلة farce، والعبثية absurdism، والكوميديا الجافة deadpan comedy. وهذه التركيبات ليست منفصلة عن بعضها، وإنما تنتقل من واحدة إلى أخرى داخل المشهد الواحد، وهو ما يجعل الفيلم متغير النبرة باستمرار.
استعراض محسوب
من أبرع المشاهد في الفيلم الخطبة، التي يلقيها ديجر أثناء التحقيق معه في البرلمان الأوروبي، هذا المشهد استغرق تصويره نحو عشر دقائق في لقطة واحدة دون قطع، وهو إعجاز في التمثيل والكريوغرافيا والتصوير وقيادة المجاميع وكأنه لوحة تشكيلية؛ الألوان الباهتة والوجوه الشاحبة منحت هذا المشهد إحساسًا بحالة من التحلل الإنساني، كما تُذكّر بكادرات المخرج السويدي المعروف «روي أندرسون»، الذي يستخدم هذه الطريقة في كثير من أفلامه، للتعبير عن حالة الإنسان وموقعه داخل عالم فقد كثيرًا من حيويته.
مدير التصوير إيمانويل لوبيزكي، ينجح في تحريك الكاميرا بين البطل والمجاميع المحيطة به بخفة، ولم يعب المشهد تحول الحركة فيه إلى استعراض تقني في بعض الأحيان. وفي الوقت نفسه، فإن المونولج الذي يلقيه البطل جاء مليئاً بالأفكار الجريئة، ولا يخلو من الفكاهة، خصوصاً في إدانته للبشر جميعاً بسبب انتهاك الطبيعة نتيجة أنانيتهم ورغبتهم المستمرة في مظاهر الرفاهية.
توم كروز.. أعطوه الأوسكار الآن
توم كروز هو العنصر، الذي يصعب الاختلاف عليه في الفيلم. يقدم هنا دور عمره، سواء في الشكل المختلف للشخصية، وأيضا الطريقة التي يبني بها الأداء من الداخل. ديجر شخصية غريبة الأطوار، كريهة، عالية الصوت، أنانية، قبيحة وفظة.
يمزج كروز في أدائه الممتع بين المسرحية الكلاسيكية بحركتها المبالغ فيها وانفعالاتها الشديدة، وبين جانب آخر أكثر هدوءًا واتزانًا، حين يتحول بسلاسة للجانب الآخر من الشخصية، وينتقل بين الجانبين بسلاسة كلما احتاج المشهد ذلك.
حتى عملية التحول الشكلي كانت مرهقة. مكياج الشخصية كان يستغرق في تحضيره نحو ست ساعات في البداية، إضافة إلى ساعتين لإزالته. وهي واحدة من التفاصيل الطريفة، التي تكشف حجم الالتزام الذي وضعه كروز في تجسيد الشخصية.
ولهذا، فإن Digger يمثل فرصة مثالية لتوم كروز، لكي يحظى أخيرًا بجائزة الأوسكار، قدّم هنا من قدرات تمثيلية جادة ومعقدة في التقمص ما يؤهله بالتتويج، ستكون جائزة مستحقة بالكامل، وتكليلاً لمشوار سينمائي حافل ومؤثر في صناعة السينما على أكثر من مستوى.
كروز لم يوظف نجوميته فقط في أفلام الحركة، التي ساهمت في إنعاش خزائن هوليوود، وإنما دعم أيضًا تجارب سينمائية مغايرة، لم يكن من السهل أن تحصل على تمويل كبير لولا وجود اسمه، من بينها هذا الفيلم. وسابقاً فعل ذلك مع ستانلي كوبريك في Eyes Wide Shut، ومع بول توماس أندرسون في Magnolia، ومع كاميرون كرو، وسيدني بولاك وغيرهم.
إنه إنسان عاشق لمهنته، مخلص، متفان. لذلك فإن حصوله على الجائزة عن Digger لن يكون تقديرًا لهذا الدور وحده، وإنما اعترافًا بمسيرة نجم ظل لسنوات طويلة يخدم صناعة السينما من داخلها وخارجها، ودافع عن الشاشة الكبيرة ورمزيتها في المشاهدة.
وحان الوقت ليحصل توم كروز على حقه الأدبي بوصفه ممثلًا، وليس مجرد نجم.
ريز أحمد فاكهة الفيلم
في المقابل، يأتي ظهور الممثل ريز أحمد في دور العالم «جانيش» كفاكهة من فواكه الفيلم. الشخصية تحاول تحذير الساسة من أن الوضع يخرج عن السيطرة، لكن تحذيراته تقابل بعدم اهتمام، ولذلك تتدرج ردود أفعاله بطريقة فكاهية مع تصاعد الأحداث.
أحمد يلعب الشخصية بدرجة من الهدوء، تجعلها تبدو وكأنها خرجت من فيلم لأحد كبار صنّاع الكوميديا الجافة كـ«ويس أندرسون». ولم يحتج إلى بذل مجهود كبير لكي يكون مضحكًا، لأن الكوميديا تأتي أساسًا من التناقض بين ما يعرفه هو وما يرفض الآخرون الاعتراف به.
الديكور بطلاً والموسيقى صوتاً للطبيعة
التصميم الإنتاجي والديكور من أهم عناصر قوة Digger، لأنه يصنع حاضنة بصرية شديدة التميز للأحداث. إيناريتو يجعل المكان جزءًا من عملية السرد والكوميديا في الوقت نفسه. حركات بسيطة لبعض عناصر الديكور يمكن أن تكون مسؤولة عن جزء من الفكاهة. تغيير في المكان أو حركة عنصر داخله أو مصدر للإضاءة قد يصبح هو النكتة. وهذا يتناسب مع الطبيعة المسرحية للعمل، لهذا استخدم إيناريتو تقنية VistaVision ذات الإطار العريض في تصوير الفيلم، ليتمتع بصورة أكثر نقاء وقدرة على نقل تفاصيل الكادر باتساعه.
أما الموسيقى التصويرية، التي وضعها كوزمو شيلدريك، فكانت لافتة باستخدامها أصوات طبيعية للطيور والضفادع والحشرات، مع مزجها بجُمل مبتورة تعزفها آلات النفخ الخشبية والنحاسية، ضمن هارموني مُقبض وكئيب رغم إشراقه، كما يستخدم في الإيقاعات أصوات الخبط والارتطام المستمدة من الحياة اليومية. والنتيجة شريط صوتي أخاذ ومثير، والأهم أنه مرتبط مباشرة بفكرة الفيلم، الطبيعة تتحدث عبر الموسيقى.
أحكام النقاد ليست النهاية
ليس غريبًا أن ينقسم النقاد حول Digger. فهو لا يقدم تجربة سهلة، وغلبت عليه المراجعات السلبية في الاستقبال الأولي، حيث لم يتخط تقييمه على موقع Rotten Tomatoes حاجز الـ%60. كثير من المراجعين رأوا أنه نسخة أضعف من تحفة ستانلي كوبريك Dr. Strangelove، خصوصا في السخرية من السلطة والقرارات السياسية، التي تقود العالم نحو الفناء.
لكن، الناقد جوش لارسين أشار إلى نقطة مهمة في مراجعته للفيلم، وهي أن حتى Dr. Strangelove لم يُستقبل بحفاوة وقت عرضه! ولم يصل لمكانة التحفة الكلاسيكية، التي نعرفها اليوم، بل اكتسب مكانته مع مرور الوقت. هذه النقطة لا تعني بالضرورة أن Digger سيصبح كلاسيكية مستقبلية، لكنها تذكرنا بأن بعض الأفلام تحتاج إلى وقت حتى نعرف موقعها الحقيقي، خصوصًا عندما تكون شديدة الاختلاف عن السائد.
يأتي Digger في توقيت لافت أيضًا؛ فهو آخر الأفلام الكبيرة التي تنتجها استوديوهات «وارنر براذرز» قبل وقوعها تحت استحواذ «بارامونت سكايدانس» من خلال الصفقة المثيرة للجدل. وفي ذلك انعكاس يحمل بعض الشاعرية. نحكي عن فيلم يقدم نهاية العالم، ويأتي هو نفسه كنهاية لهذه الشركة المنتجة العريقة.
ختاماً، Digger ليس فيلمًا مصنوعًا لكي يرضي الجميع، وربما هذه واحدة من أهم نقاط قوته. إنه فيلم يأخذ مخاطر حقيقية على مستوى الشكل والبناء والأداء، ويضع قضية المناخ والسياسة ودور الفنان داخل تجربة ميتاسردية معقدة. والأجمل إنه فيلم لا ينتهي بانتهاء أحداثه، وإنما يبدأ في العمل داخل ذهنك، وأنت ترى تترات النهاية.


































