اخبار الاردن
موقع كل يوم -سواليف
نشر بتاريخ: ٣ أب ٢٠٢٦
ليست أزمة 'وزير' … بل أزمة دولة تؤجل مواجهة نفسها
بقلم: محمد يوسف الشديفات
لا تُهينوا عقول الناس. هذه ليست قصة وزير، ولا استقالة، ولا بيان صحفي، ولا أزمة عابرة ستبتلعها الأيام كما ابتلعت عشرات الأزمات قبلها. ما حدث ليس إلا مرآة كشفت وجهاً يحاول الجميع تغطيته منذ سنوات: وجه إدارةٍ تعتقد أن تغيير الأشخاص يغني عن تغيير النهج، وأن احتواء الغضب أهم من إزالة أسبابه.
لقد أصبح المشهد محفوظاً حد الابتذال. تقع الأزمة، فيخرج المسؤولون بالكلمات نفسها، والوعود نفسها، والنبرة نفسها. ثم يُغلق الملف، لا لأن الحقيقة اكتملت، بل لأن الوقت مرّ. وكأن الزمن أصبح أداة لإدارة الأزمات، لا لإصلاحها. وكأن المطلوب من المواطن أن تكون ذاكرته أقصر من عمر الخطأ.
أسوأ ما يمكن أن يحدث لأي دولة ليس أن تخطئ، بل أن تفقد القدرة على مراجعة نفسها. حين تصبح كل أزمة مجرد حادث منفصل، وكل استقالة نهاية للقصة، وكل وعد بدايةً جديدةً لا تصل إلى نهايتها، فإن الخلل لا يعود في الأشخاص، بل في ثقافة كاملة تعتقد أن تدوير المشهد يكفي لإقناع الناس بأن شيئاً قد تغيّر. لكن الشعوب لا تُقنعها تبديلات الوجوه، بل تبدلات النتائج.
لقد سئم الأردني من أن يُعامل كمتفرج. يُطلب منه الصبر، ثم صبرٌ آخر، ثم ثقةٌ جديدة، بينما لا أحد يسأله كم مرة استنزف هذا الرصيد. الثقة ليست مورداً لا ينضب. إنها تُبنى ببطء، وتنهار بسرعة. وكل مرة تُؤجل فيها الأسئلة الصعبة، يتآكل منها جزء. وكل مرة تُقدَّم فيها العناوين على الحقائق، يتسع الشرخ بين المواطن ومؤسساته.
الدولة القوية ليست تلك التي تُحسن صياغة البيانات، بل تلك التي تملك شجاعة الاعتراف قبل أن تُجبر عليه. ليست التي تطلب من الناس أن يصدقوا، بل التي تجعلهم لا يحتاجون إلى الشك أصلاً. هي التي تعتبر النقد جهاز إنذار، لا ضوضاء. وتعتبر الشفافية قوة، لا مخاطرة. وتعتبر المحاسبة حمايةً لهيبتها، لا انتقاصاً منها.
الوطن ليس السلطة، وليس الحكومة، وليس أي مسؤول عابر. الوطن هو الناس الذين يحملونه على أكتافهم كل يوم؛ العامل الذي يفتح رزقه قبل شروق الشمس، والموظف الذي يقتطع من راتبه أكثر مما يقتطع من أحلامه، والشاب الذي ينتظر فرصة فلا يجد إلا المزيد من الانتظار. هؤلاء لا يريدون معجزات، ولا يطلبون دولة بلا أخطاء. يريدون فقط دولةً لا تكرر الخطأ ثم تطلب منهم التصفيق لأنها اعترفت بوجوده.
ليس أخطر من الفساد إلا الاعتياد عليه. وليس أخطر من سوء الإدارة إلا أن يتحول إلى أمر مألوف. وليس أخطر من الغضب إلا أن يبرد، لأن الغضب يعني أن الناس ما زالوا يؤمنون بإمكانية الإصلاح، أما اللامبالاة فهي اللحظة التي يبدأ فيها الوطن بخسارة أثمن ما يملك: ثقة أبنائه.
الأردن يستحق أكثر من إدارة للأزمات، وأكثر من إصلاحات تُؤجل، وأكثر من لغةٍ تعِد ولا تُقنع. يستحق دولةً تواجه نفسها قبل أن تواجه مواطنيها، وتراجع نهجها قبل أن تطلب منهم مراجعة أحكامهم. فالدول لا تقوى حين تمنع الأسئلة، ولا حين تؤجلها، بل حين تملك الشجاعة للإجابة عنها كاملة. عندها فقط يصبح الحديث عن الإصلاح حقيقةً تُرى، لا شعاراً يُعاد مع كل أزمة جديدة.












































