اخبار الاردن
موقع كل يوم -صحيفة السوسنة الأردنية
نشر بتاريخ: ٢٩ أيلول ٢٠٢٦
ليست المسؤولية العامة امتيازاً يُمنح، ولا منصباً يُتخذ وجاهةً اجتماعية، ولا حصانةً تحمي صاحبها من تبعات قراراته، بل هي أمانة وطنية وأخلاقية ودستورية، يترتب عليها واجب الأداء، وتقتضي المساءلة عند التقصير، والمحاسبة عند ثبوت الخطأ. فالدولة التي تطمح إلى الإصلاح الحقيقي لا تكتفي بتغيير الأشخاص، وإنما تؤسس لثقافة راسخة عنوانها أن كل مسؤول، مهما علا منصبه، مسؤول عن قراراته وأدائه أمام القانون والمؤسسات والرأي العام.
لقد ظل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة مطلباً أردنياً أصيلاً، وركيزة أساسية من ركائز الإصلاح السياسي والإداري، وشرطاً لا غنى عنه لإنجاح مسيرة التحديث التي ينشدها الأردنيون منذ عقود. فلا إصلاح حقيقياً دون مساءلة، ولا تحديث إدارياً دون تقييم موضوعي للأداء، ولا ثقة بالمؤسسات ما لم يشعر المواطن بأن المنصب العام تكليف لا تشريف، وأن المسؤولية تقترن بالنتائج، لا بالشعارات والوعود.
وفي هذا السياق، جاء قرار مجلس إدارة الاتحاد الأردني لكرة القدم، برئاسة سمو الأمير علي بن الحسين، بقبول استقالة الأمين العام سمر نصار، وتكليف البدارنة بمهام الأمين العام بالإنابة، ليعيد إلى الواجهة أهمية المسؤولية المؤسسية، وضرورة التعامل الجاد مع الملاحظات التي يثيرها الرأي العام بشأن أداء المؤسسات. وقد تضمن القرار توجيه الشكر للأمين العام السابقة على ما قدمته خلال فترة عملها.
وبصرف النظر عن ملابسات الاستقالة وأسبابها، التي ينبغي عدم الجزم بها دون توضيح رسمي، فإن هذه المناسبة تفتح الباب أمام نقاش وطني أوسع حول ثقافة المساءلة، وضرورة ألا تبقى المناصب الإدارية بمنأى عن التقييم والمراجعة.
إننا نرى في هذا النهج فرصة لتكريس مبدأ بالغ الأهمية: أن المسؤول الناجح يستحق التقدير، والمسؤول المقصّر تجب مساءلته، وأن المصلحة العامة ينبغي أن تتقدم دائماً على الاعتبارات الشخصية والحسابات الضيقة.
فالمؤسسات لا تُبنى بالأسماء، ولا تُحمى بالمجاملات، ولا تتقدم بتبرير الإخفاقات، وإنما تُبنى بالكفاءة، وتُصان بالشفافية، وتتطور بالمحاسبة العادلة. والمسؤول الذي يدرك أن أداءه يخضع للتقييم، وأن استمراره في موقعه مرتبط بقدرته على الإنجاز، سيكون أكثر حرصاً على أداء واجباته، وأكثر إدراكاً لحجم الأمانة الملقاة على عاتقه.
ولعل أخطر ما يهدد المؤسسات ليس وقوع الخطأ بحد ذاته، فالخطأ وارد في العمل البشري، وإنما تحويل الخطأ إلى ممارسة متكررة، والتستر على التقصير، وغياب الإرادة المؤسسية لمعالجة الاختلالات. وهنا ينبغي التمييز بين الخطأ الإداري غير المقصود، والإهمال الجسيم، والفساد المتعمد؛ فلكل منها طبيعته ومسؤوليته وجزاؤه وفق القانون. غير أن القاسم المشترك بينها جميعاً هو ضرورة عدم التساهل مع ما يثبت أنه ألحق الضرر بالمصلحة العامة.
فليس مقبولاً أن يدفع الوطن ثمن الأخطاء، بينما يحتفظ المسؤول بموقعه وامتيازاته وكأن شيئاً لم يكن. وليس من العدالة أن يتحمل المواطن نتائج الإخفاق، بينما يُعفى صاحب القرار من تبعاته.
ومن هذا المنطلق، فإن المطلوب اليوم هو الانتقال من المساءلة الموسمية إلى المساءلة المؤسسية المستدامة، ومن ردود الفعل إلى منظومة متكاملة للرقابة والتقييم، ومن ثقافة تبرير الأخطاء إلى ثقافة الاعتراف بها وتصحيحها.
إن الرؤية الملكية للإصلاح والتحديث لا يمكن أن تحقق غاياتها المنشودة ما لم تقترن بإدارة عامة كفؤة، ومؤسسات قادرة على مراجعة أدائها، ومسؤولين يدركون أن خدمة الوطن والمواطن هي الغاية الأولى والأخيرة من تولي المناصب العامة.
وما نطمح إليه هو أن تصبح المساءلة قاعدة ثابتة في جميع مؤسسات الدولة الأردنية، لا استثناءً تفرضه الظروف، وأن يخضع كل مسؤول للتقييم وفق معايير واضحة وعادلة، بعيداً عن الانتقائية والمحاباة، وبما يكفل احترام القانون وحماية حقوق الأفراد.
فالوزير، والأمين العام، والمدير، ورئيس المؤسسة، وكل من يتولى مسؤولية عامة، مطالب بأن يقدم كشف حساب عن أدائه، وأن يثبت أن وجوده في موقعه يضيف إلى المؤسسة ولا يشكل عبئاً عليها.
إن الأردنيين، الذين تحملوا الكثير من التحديات الاقتصادية والاجتماعية، يستحقون إدارة عامة ترتقي إلى مستوى تضحياتهم، وتحترم عقولهم، وتصون حقوقهم، وتستجيب لتطلعاتهم في العدالة والكفاءة وتكافؤ الفرص.
وهم لا يطالبون بالمستحيل، بل بدولة مؤسسات يكون فيها القانون فوق الجميع، وتكون فيها الكفاءة أساس الاختيار، والإنجاز معيار الاستمرار، والمساءلة نتيجة طبيعية للتقصير.
إن قوة الدولة لا تُقاس بعدد المسؤولين الذين تحتفظ بهم، وإنما بقدرتها على تصحيح أخطائها، ومراجعة قراراتها، وتجديد مؤسساتها، وتقديم المصلحة الوطنية على كل اعتبار.
وفي الختام، فإن ما نحتاج إليه في الأردن ليس مجرد تغيير في الوجوه، بل تغيير حقيقي في الثقافة الإدارية، بحيث يدرك كل من يتولى موقعاً عاماً أن المنصب ليس ملكية شخصية، وأن الثقة ليست تفويضاً مفتوحاً، وأن خدمة الوطن شرف لا يستحقه إلا من ينهض بأعبائه ويؤدي واجباته بأمانة واقتدار.
فالأوطان لا تنهض بحصانة المقصّرين، وإنما بعدالة المحاسبة وكفاءة المسؤولين. ولا يكتمل الإصلاح بتغيير المسؤول، بل بتغيير القواعد التي تسمح باستمرار التقصير دون مساءلة.
ذلك هو جوهر الدولة الحديثة، وتلك هي الروح التي ينبغي أن تحكم مسيرتنا الوطنية نحو الإصلاح والتحديث.
حمى الله الأردن، وأدام عليه نعمة الأمن والاستقرار، ووفّق كل مخلص في خدمة وطنه وقيادته وشعبه.
والله من وراء القصد.












































