اخبار الاردن
موقع كل يوم -جو٢٤
نشر بتاريخ: ٣٠ أب ٢٠٢٥
عملية حي الزيتون الأخيرة.. تجسيد عملي لمعادلة الرعب #عاجل
كتب اللواء المتقاعد د. موسى العجلوني -
لم يكن ما جرى في حي الزيتون شرق غزة مؤخرا مجرد اشتباك عابر، بل محطة مفصلية في مسار حرب الإبادة التي يشنها جيش الكيان الصهيوني على قطاع غزة والمستمرة منذ 7 أكتوبر 2023. ففي عملية نوعية غير مسبوقة، نجحت مجموعة صغيرة من مقاتلي المقاومة -لم يتجاوز عددهم عشرة- في نصب كمين محكم لعناصر من الفرقة 162 واللواء 401 من جيش الاحتلال حيث قتلوا جنديين على الأقل وأصابوا اكثر من عشرة. فجّروا عبوات ناسفة عطلت التشكيلات المتقدمة، وأطلقوا نيرانهم على فرق الإنقاذ، ثم فاجأوا العالم بحديث الإعلام العبري عن أسر أربعة جنود إسرائيليين في قلب الميدان.
جيش الاحتلال بين الصدمة والهشاشة النفسية
الجيش الصهيوني، الذي لطالما روّج لتفوقه التكنولوجي والاستخباري، وجد نفسه مضطرًا لتفعيل 'بروتوكول هنيبعل' الدموي في محاولة لمنع الأسر. لكن ذلك لم يمنع الحقيقة من الظهور: جنود إسرائيليون اختفوا تحت أعين قيادتهم، والمقاومة وضعت يدها على الورقة الأخطر في صراعها مع الاحتلال.
هذا المشهد لا يعني مجرد خسارة ميدانية، بل هزة نفسية عميقة داخل الجيش. فالثقة بين الجنود وقيادتهم تتصدع عندما يشعر الجنود أن حياتهم قد تُضحى بها لمنع وقوعهم أسرى. ومع كل أسير جديد، يتآكل الإحساس بالتفوق العسكري، ويزداد شعور الجنود بأنهم يواجهون خصمًا يملك الجرأة والإبداع، ويزرع الرعب في قلوبهم.
الحكومة الإسرائيلية في مأزق داخلي
سياسيًا، العملية تمثل كارثة على حكومة نتنياهو. فالرجل الذي بنى خطابه على أوهام السيطرة والتفوق يجد نفسه أمام أزمة مركبة: عائلات الجنود الأسرى ستضغط بكل قوة من أجل إبرام صفقة تبادل، بينما تيارات اليمين المتشدد سترفض أي تنازل وتدفع باتجاه استمرار الحرب. هذا الانقسام يهدد تماسك الحكومة، ويضع نتنياهو أمام مأزق سياسي قد يتطور إلى أزمة وجودية.
الشارع الإسرائيلي أمام قلق وجودي
في المجتمع الإسرائيلي، صدى العملية لا يقل خطورة. فالإسرائيليون يعانون منذ عامين من مرارة أسر ابنائهم وذاكرتهم مثقلة بتجربة جلعاد شاليط، وما تبعها من صفقة تبادل ضخمة. واليوم، أربعة جنود دفعة واحدة، في وقت تتصاعد فيه الخسائر البشرية وتغيب آفاق الحسم. هذا يزرع قلقًا وجوديًا عميقًا: إن كان الجيش غير قادر على حماية جنوده، فكيف يمكنه أن يوفر الأمن لمجتمع كامل؟
التأثير على المفاوضات
ورقة الأسرى طالما كانت الورقة الأثقل على طاولة التفاوض. العملية الأخيرة جعلت هذه الورقة أكثر قوة وفاعلية. فالعملية تمنح المقاومة موقعًا تفاوضيًا قويًا، يتيح فرض شروط أكثر صرامة تتعلق بالإفراج عن أسرى فلسطينيين وربما بوقف دائم للحرب على غزة، حكومة الإحتلال مجبرة على التعامل مع ضغوط داخلية وخارجية متزايدة، ولن تستطيع تجاهل ملف الأسرى، ودوليًا الوسطاء كقطر ومصر والولايات المتحدة سيجدون أن أي تسوية سياسية لا يمكن أن تتجاوز مسألة الجنود الأربعة.
معادلة الرعب: من النظرية إلى التطبيق
الأهم أن العملية تمثل تجسيدًا عمليًا لما يُعرف بـ'معادلة الرعب'، التي تحدثت عنها في مقال سابق، والتي صاغتها المقاومة منذ أشهر والتي تتلخص بأن الاحتلال لم يعد يملك حرية الحركة دون ثمن باهظ. فكل تقدم لجيش الكيان في الميدان يعني احتمال وقوع خسائر كبيرة أو أسر جنود، وكل عملية أسر تفتح بابًا لمعركة سياسية ونفسية لا تقل خطورة عن المعركة العسكرية. بمعنى آخر، ما كان يُقدَّم كخطاب إعلامي في بيانات المقاومة وما توعد به ابو عبيدة الناطق الرسمي للمقاومة قبل يومين تحوّل الآن إلى واقع ميداني مرئي. وهذا التحول هو ما يرعب إسرائيل أكثر من الخسائر نفسها، لأنه يهدد استراتيجيتها بأكملها، ويعيد صياغة قواعد الاشتباك.
وفي الختام، عملية حي الزيتون ليست مجرد كمين ناجح، بل زلزال استراتيجي ونفسي هز الجيش وأربك الحكومة وأثار ذعر الشارع الإسرائيلي، وأعاد رسم المشهد التفاوضي لصالح المقاومة. هي قبل كل شيء تجسيد حيّ لمعادلة الرعب: حيث يصبح كل جندي إسرائيلي مشروع أسير محتمل، وكل عملية عسكرية لجيش الكيان مغامرة محفوفة بكلفة مضاعفة. لقد أثبتت المقاومة أن الرعب لم يعد مجرد تهديد يُطلق في بيانات إعلامية، بل حقيقة تتجلى في الميدان، وتجعل إسرائيل تحارب على جبهة جديدة: جبهة الخوف والرعب.