اخبار الاردن
موقع كل يوم -جو٢٤
نشر بتاريخ: ٢١ أذار ٢٠٢٦
في الذكرى (58) لمعركة الكرامة المجيدة: استخلاص الدروس والعبر
نستذكر في هذه الأيام معركة الكرامة، بما جسّدته من روح نضالية عالية في الوطن العربي؛ حين خاض الجيش العربي الأردني وحركة المقاومة الفلسطينية معركة بطولية مميزة أعادت الاعتبار للروح الكفاحية في مواجهة السياسات التوسعية لقوات الاحتلال الصهيوني. ولا مجال للمقارنة من حيث المناخات السياسية والروح القتالية التي كانت سائدة؛ فالمقارنة هنا ليست زمنية فحسب، بل تمتد إلى المفاهيم والرؤى السياسية والوطنية. فقد كانت هناك رؤية واضحة تحدد من هو العدو ومن هم الحلفاء الطبيعيون، قبل أن تشوه المفاهيم، فتُوصم المقاومة بـ«الإرهاب» ويُعاد تعريف الأعداء كـ«حلفاء»، وتُعاد صياغة التحالفات في مواجهة دول وقوى تقاتل العدو الصهيوني.
كانت الأنظمة العربية تستمد جزءاً أساسياً من شرعيتها من مدى دعمها للقضية الفلسطينية وقدرتها على مواجهة المشروع الصهيوني الاحلالي. وفي إطار وحدة المصير المشترك.
غير أن اتفاقيات كامب ديفيد، وأوسلو، ووادي عربة، فتحت الأبواب على مصاريعها أمام سياسات التطبيع السياسي والاقتصادي والأمني مع العدو الصهيوني، وترافق ذلك مع تعمّق الارتباط بالبنية الأمنية والعسكرية الأميركية في المنطقة، التي تحولت الى عبء على الدول العربية بدلا من ان تشكل حماية لها. ومع المرحلة اللاحقة لما سُمّي بـ«السلام الإبراهيمي»، باتت غالبية الحكومات العربية أكثر اندماجاً في تحالفات إقليمية ودولية، في ظل عجز واضح عن وقف حرب الإبادة والتطهير العرقي في فلسطين، وفي القلب منها غزة والضفة الغربية.
ما يجري اليوم يكشف الفجوة العميقة بين «نهج الكرامة» من جهة و«خيار كامب ديفيد وأوسلو ووادي عربة» من جهة أخرى، ويعبّر عن صراع بين مشروعين: أحدهما يقوم على حماية السيادة الوطنية والكرامة، والآخر على الارتهان والتبعية. لقد راهن من تخلّوا عن نهج المقاومة على «الراعي الأميركي»، لكن الوقائع أظهرت عُقم هذا الرهان، في ظل انحياز هذا الراعي الواضح للكيان الصهيوني والتداعيات المدمّرة التي طالت أكثر من دولة عربية.
أما الواقع الراهن، وبعد أكثر من ثلاثة عقود على أوسلو ووادي عربة، فقد أثبت أن «الضمانات» كانت وهماً، وأن الاحتلال لم يلتزم بالاتفاقيات (التي نرفضها) لأنه لم يكن مُجبراً على تحمل كلفٍ حقيقية بموجب نصوصها.
وفي ضوء ما تكشفه التحولات الدولية والإقليمية، بما في ذلك أولويات الولايات المتحدة الأمريكية التي تضع حماية الكيان الصهيوني في صدارة حساباتها وأولوياتها، يبرز سؤال جوهري: هل أن ما يجري يشكّل درساً تاريخياً لمن راهنوا على خيارات أثبتت فشلها؟
خلاصات ودروس استراتيجية:
1- بلورة عقيدة أمنية قومية مشتركة تقوم على إدراك طبيعة الصراع مع المشروع الصهيوني بوصفه صراعاً وجودياً، وإعادة تعريف المقاومة كخط دفاع أول لا كعبء أمني.
2- إن مخاطر تصفية القضية الفلسطينية، بما في ذلك التهجير والاستيطان، تشكّل تهديداً مباشراً للأمن القومي العربي، خصوصاً لدول الطوق، ما يستدعي مقاربة تكاملية تنطلق من وحدة المصير ومواجهة اطماع المشروع الصهيوني التوسعية.
3- الظهير الشعبي كأداة ضغط: يمكن للكتلة الشعبية أن تشكّل عنصر قوة في مواجهة الضغوط الامريكية والتهديدات الصهيونية، إذا ما جرى توظيفها سياسياً بدل كبحها وتقييد حريتها. وعليه فأن تحويل الغضب الشعبي كقوة للدولة لتعزيز موقفها في مواجهة الاحتلال ولإعادة بناء قدراتها بالإستناد إلى قاعدة داخلية فاعلة، هي أولوية وطنية قصوى.
4- كسر التبعية الاقتصادية: لا يمكن بناء إرادة سياسية مستقلة دون تقليص التبعية وصولاً إلى إنهائها، وتفعيل أدوات القوة العربية (الموارد، الموقع، الأسواق، والإرث الحضاري) لفرض معادلات جديدة، بدلاً من الاكتفاء بالسعي إلى تسويات غير متكافئة.
إن استحضار معركة الكرامة لا يهدف إلى استعادة لحظة تاريخية مضت، بل إلى إعادة الاعتبار لمنهجٍ في التفكير والفعل السياسي، يقوم على الربط بين الإرادة الشعبية والقدرة الميدانية والاستقلال في القرار الوطني. فقد أثبتت التجربة أن موازين القوى لا تُعدَّل بالرهان على الخارج أو بالاستناد إلى وعودٍ دولية، بل ببناء عناصر القوة الذاتية وتفعيلها في إطار مشروع تحرري واضح.
إن ما يجري من عدوان إمبريالي–صهيوني على إيران والبلدان العربية يُعبّر عن طبيعة الصراع الرئيسي في المنطقة، وهو صراع يستهدف الإمساك بشروط الهيمنة الكاملة على منطقتنا بثرواتها وموقعها الاستراتيجي فائق الأهمية، وتمكين العدو الصهيوني من فرض مشروعه التوسعي، بما في ذلك تصفية القضية الفلسطينية والتوسع في مختلف الاتجاهات، ولا سيما نحو دول الطوق، مستفيداً من حالة التمزق العربي والتبعية للخارج.
وعليه، فإن الدرس الأعمق يتمثل في أن استعادة الفعل العربي المؤثر يمرّ عبر إعادة تعريف الأولويات، وبناء مقاربة شاملة تتكامل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والشعبية، بما يعيد الاعتبار لمفهوم السيادة الوطنية، ويضع حداً لحالة الارتهان والتبعية . فإما أن يُعاد بناء المشروع العربي النهضوي على قاعدة الكرامة والمقاومة، وإما أن يستمر التراجع وتآكل الحقوق.
بهذا المعنى، تبقى الكرامة معياراً لا يُقاس بالماضي، بل يُختبر في الحاضر ويُصاغ للمستقبل.
الفخر والعزّة لشهداء الكرامة الأبرار
والنصر حليف الشعوب المدافعة عن حقوقها وكرامتها
21 آذار 2026
اللجنة التحضيرية للجبهة الوطنية الشعبية الأردنية












































