اخبار الاردن
موقع كل يوم -جو٢٤
نشر بتاريخ: ٢٢ أذار ٢٠٢٦
الكرامة… اليوم الذي استعاد فيه العرب ثقتهم، وسقطت فيه أسطورة الجيش الذي لا يُهزم
زياد فرحان المجالي
أُهدي هذا المقال إلى قواتنا المسلحة الأردنية الباسلة، حارسة الكرامة وحاملة شرف الوطن.
لم تأتِ معركة الكرامة في لحظة عادية من تاريخ الأمة، بل خرجت من رحم زمن عربي مثقل بالوجع بعد نكسة حزيران 1967، يوم لم تكن الهزيمة مجرد خسارة أرض، بل زلزالًا نفسيًا أصاب الروح العربية في عمقها، وترك في الوعي الجمعي شعورًا ثقيلًا بأن الكفة قد اختلت، وأن صورة العدو قد ارتفعت إلى حد الأسطورة. في ذلك المناخ الملبد بالخيبة، لم تكن الكرامة مجرد مواجهة عسكرية على ضفة نهر أو في سهل من سهول الغور، بل كانت امتحانًا لإرادة أمة بأكملها، وسؤالًا وجوديًا عن قدرة العرب على النهوض بعد السقوط، وعن قدرة الجندي العربي على استعادة ثقته بنفسه وسلاحه وحقه في المواجهة.
لهذا السبب بالذات، لا تُقرأ الكرامة بوصفها معركة حدود فقط، بل بوصفها نقطة تحول في المعنى قبل أن تكون نقطة تحول في الميدان. لقد جاءت في وقت كان فيه كثيرون يظنون أن الجيش الإسرائيلي خرج من نكسة 1967 بصورة القوة التي لا تُكسر، وأنه لم يعد يواجه جيوشًا بل يفرض إرادته على منطقة كاملة. لكن ما جرى في الحادي والعشرين من آذار عام 1968 أثبت أن الهزيمة ليست قدرًا أبديًا، وأن التفوق العسكري، مهما بدا جارحًا، لا يصنع خلودًا، وأن الشعوب التي تتعرض للانكسار تستطيع أن تستعيد وعيها حين تجد جيشًا يعرف معنى الأرض، ومعنى الشرف، ومعنى أن يقاتل لا ليربح جولة فقط، بل ليحمي كرامة وطن.
حين اندفع العدو نحو الأرض الأردنية، كان يعتقد أنه ذاهب إلى عملية سريعة تعيد تثبيت الردع، وتؤكد أن ما حدث في حزيران قد دشّن عصرًا جديدًا من الهيمنة المطلقة. لكنه وجد نفسه أمام جيش عربي ليس في حالة ذهول، بل في حالة استعداد، وليس في موقع التلقي، بل في موقع الرد. هنا ظهرت قيمة الجيش العربي الأردني، لا فقط في الشجاعة، بل في الانضباط والجاهزية وحسن إدارة الميدان. لم يكن الأمر انفجار حماسة عابرًا، بل كان تجليًا لمؤسسة عسكرية تعرف كيف تقاتل، ومتى تقاتل، ولماذا تقاتل. ومن هنا جاءت عظمة الكرامة: أنها لم تكن رد فعل غاضبًا، بل فعلًا عسكريًا واعيًا، أعاد ترتيب العلاقة بين الجندي العربي وبين صورته عن نفسه بعد النكسة.
لقد كسرت الكرامة الحاجز النفسي قبل أن تكسر الهجوم. وهذه هي قيمتها الكبرى التي تجعلها أكبر من مجرد حسابات الربح والخسارة الميدانية. ففي تلك الساعات، لم يكن الأردنيون وحدهم من يقاتلون، بل كانت أمة كاملة تستعيد من خلالهم شيئًا من صوتها الداخلي الذي خفت بعد حزيران. فجأة، لم يعد السؤال: هل يستطيع العرب أن يصمدوا؟ بل صار: إذا صمدوا هنا، فلماذا لا ينهضون هناك؟ وإذا أمكن كسر الاندفاعة الإسرائيلية في الكرامة، فلماذا يبقى العدو في المخيال العام قوة لا تُرد؟ ومن هنا، فإن الكرامة لم تعُد معركة أردنية فقط، بل صارت لحظة عربية جامعة، أعادت إلى الوجدان العام فكرة أن الهزيمة ليست نهاية التاريخ.
أما المشهد الأكثر رسوخًا في الذاكرة، فهو ذلك المشهد الذي تجاوز البعد العسكري إلى ذروة الرمز: آليات ودبابات إسرائيلية تُترك في أرض المعركة أو تُسحب بالسلاسل، في صورة تختصر ما جرى كله. لم تكن تلك مجرد معدات معطوبة أو غنائم حرب، بل كانت صورة لانكسار الهيبة. فالجيش الذي دخل مزهوًا بتفوقه، خرج من الكرامة مكشوفًا أمام نفسه وأمام الآخرين. وحين تُجرّ الدبابات بالسلاسل، فإن الصورة لا تحكي عن الحديد وحده، بل عن الأسطورة حين تصطدم بالحقيقة. كأن التاريخ، في لحظة نادرة، أراد أن يقول إن القوة التي تُبنى على الرعب والدعاية يمكن أن تنهار أمام الثبات والإرادة، وإن جيشًا قيل عنه إنه لا يُهزم، يمكن أن يتعثر حين يواجه رجالًا يعرفون أن الدفاع عن الوطن ليس شعارًا، بل فعلًا يكتب بالدم.
وفي قلب هذه الصفحة المضيئة يقف الجيش العربي الأردني شامخًا كما يليق به. فهذه المعركة لم تصنعها المصادفة، بل صنعها رجال حملوا الوطن في صدورهم قبل أن يحملوا السلاح في أيديهم. صنعها جيش آمن أن الأردن ليس تفصيلًا على الخريطة، بل معنى، وأن الأرض التي يقف عليها لا تُسلَّم للمذلة، ولا تُترك لتكرار الهزيمة. لذلك فإن التحية للجيش في ذكرى الكرامة ليست مجاملة عابرة، بل اعترافًا مستحقًا بأن هذه المؤسسة كانت، وما تزال، صمام الكرامة الوطنية، وحارس الهيبة الأردنية، وذاكرة الصلابة في اللحظات الصعبة.
ولا يكتمل هذا المشهد إلا بالتحية إلى القائد الميداني الذي ارتبط اسمه بالمعركة، المشير مشهور حديثة الجازي، الذي مثّل في تلك اللحظة نموذج القائد العسكري الذي يعرف كيف يحوّل الثبات إلى فعل، والفعل إلى نصر، والنصر إلى رمز. كما لا تكتمل الكرامة دون الوقوف بإجلال أمام الملك الحسين بن طلال، طيب الله ثراه، ذلك القائد الذي لم ينظر إلى المعركة بوصفها اشتباكًا عابرًا، بل بوصفها لحظة استعادة للثقة الوطنية. لقد فهم الحسين، مبكرًا، أن الأمم بعد الهزائم لا تحتاج إلى الخطب بقدر ما تحتاج إلى أفعال تعيد إليها يقينها بنفسها، وكان حضوره في تلك المرحلة جزءًا من بناء هذا اليقين، وجزءًا من رسم ملامح الأردن الذي لا ينكسر.
لهذا بقيت الكرامة أكبر من يوم في الروزنامة، وأكبر من معركة في السجلات العسكرية. إنها اللحظة التي قال فيها الأردن للعرب إن الجرح لا يلغي القدرة على النهوض، وإن النكسة ليست حكمًا نهائيًا على المستقبل، وإن الجندي العربي ليس مشروع هزيمة كما أراد البعض أن يراه بعد حزيران. وفي كل مرة يُذكر فيها اسم الكرامة، فإن الذي يعود ليس مجرد ذكرى، بل عودة معنى: معنى الوطن حين يحمي نفسه، ومعنى الجيش حين يصون شرف الأمة، ومعنى القيادة حين تعرف كيف تصنع من اللحظة الصعبة تاريخًا جديدًا.
سلام على الجيش العربي الأردني، على شهدائه، على رجاله، على ترابه الذي حفظ معنى الصمود، وعلى الأردن الذي أثبت في الكرامة أنه لم يكن مجرد ساحة معركة، بل كان قلبًا عربيًا نابضًا استعاد نبض الأمة معها. وسلام على الحسين، طيب الله ثراه، وعلى كل قائد وجندي كتب في ذلك اليوم صفحة لا تزال حتى الآن ترفع الرأس، وتقول للأجيال إن الكرامة لم تكن اسم معركة فقط، بل كانت اسم الحقيقة حين نهضت من بين الركام.












































