اخبار الاردن
موقع كل يوم -وكالة رم للأنباء
نشر بتاريخ: ١٥ تشرين الأول ٢٠٢٦
رم - بقلم الأستاذ الدكتور أمجد الفاهوم لم يكن منح جائزة نوبل في الاقتصاد لعام 2026 للعالمين الأمريكيين روبرت هول ومايكل وودفورد مجرد تكريم لإنجاز علمي، بل تأكيدًا لحقيقة اقتصادية مهمة مفادها أن استقرار الدول يبدأ بفهم سلوك الإنسان، وأن القرارات الاقتصادية الناجحة تُبنى على المعرفة والتوقعات الدقيقة، لا على معالجة الأزمات بعد وقوعها. وقد كُرّم العالمان لإسهاماتهما في تطوير نماذج تربط قرارات الأفراد والمؤسسات بالاستقرار الاقتصادي الكلي، بما يساعد الحكومات والبنوك المركزية على مواجهة التضخم والركود وتقلبات الأسواق. تكمن أهمية هذه النماذج في انتقالها من مراقبة المؤشرات الاقتصادية العامة إلى تفسير السلوك الذي يصنعها. فالأسرة التي تتوقع تراجع دخلها تخفض إنفاقها، والشركة التي تخشى ارتفاع تكاليف التمويل تؤجل استثماراتها، والمستهلك الذي يتوقع ارتفاع الأسعار يعيد ترتيب أولوياته.وعندما تتكرر هذه القرارات على نطاق واسع، تتغير حركة الاقتصاد بأكمله. وهنا تصبح الثقة ووضوح السياسات والتوقعات المستقبلية عناصر مؤثرة في الاستقرار الاقتصادي. بالنسبة للأردن، تكتسب هذه الأفكار أهمية استثنائية في ظل محدودية الموارد، وارتفاع البطالة، وضغوط المديونية، والاعتماد على الطاقة المستوردة، وتأثر الاقتصاد بالتقلبات الإقليمية والدولية. فالتحدي لا يقتصر على تحقيق النمو، وإنما يمتد إلى بناء اقتصاد قادر على المحافظة على استقراره وحماية الفئات الأكثر تأثرًا بالأزمات. ولنتصور ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا بنسبة 20%. قد تلجأ المؤسسات إلى زيادة أسعار منتجاتها، بينما تخفض الأسر استهلاكها، وتتراجع قدرة بعض المنشآت الصغيرة على الاستمرار. باستخدام النماذج الاقتصادية الحديثة، يمكن تقدير هذه الآثار مسبقًا، ومقارنة بدائل التدخل، وتوجيه الدعم نحو القطاعات والفئات الأكثر حاجة، بدل اعتماد إجراءات عامة قد تستنزف الموارد دون تحقيق النتائج المرجوة. لكن الاستفادة الحقيقية تتطلب تطوير قاعدة وطنية متكاملة للبيانات الاقتصادية والاجتماعية، وربطها بنماذج تنبؤية تراعي خصوصية الاقتصاد الأردني، مع احترام استقلالية السياسة النقدية ومتطلبات الاستدامة المالية. فالنماذج المستوردة لا تعكس بالضرورة طبيعة سوق العمل المحلي أو تفاوت الدخل أو بنية المشروعات الصغيرة. وهنا يبرز التعليم باعتباره أحد أهم محددات الاستقرار الاقتصادي طويل الأمد. فالدولة التي تؤهل شبابها للتكيف مع التحولات التكنولوجية والإنتاجية تصبح أكثر قدرة على مواجهة الأزمات. ولذلك، ينبغي أن تنتقل المؤسسات التعليمية من التركيز على منح المؤهلات إلى بناء كفاءات قادرة على تحليل المشكلات، وإدارة المخاطر، وتطوير الحلول، وخلق فرص العمل. ويمكن للتعليم التقني والتطبيقي أن يؤدي دورًا محوريًا في هذا التحول، خصوصًا في مجالات تحليل البيانات، والذكاء الاصطناعي، والطاقة المتجددة، والصناعات الرقمية، وإدارة المشروعات. فالفني القادر على خفض استهلاك الطاقة في مصنع، والمحلل الذي يتنبأ بتغير الطلب، والريادي الذي يدير مشروعه وفق مؤشرات مالية دقيقة، يسهمون بصورة مباشرة في تحسين الإنتاجية وتقليل الهدر وتعزيز قدرة الاقتصاد على الصمود. ومن هنا، تبدو الحاجة ملحة لإنشاء مختبرات وطنية مشتركة بين الجامعات والمؤسسات الاقتصادية والقطاع الخاص، تتولى محاكاة الأزمات واختبار السياسات قبل تطبيقها، وتطوير برامج تعليمية تستجيب للمهارات المطلوبة مستقبلًا. ويمكن قياس نجاح هذه الشراكات بمؤشرات واضحة تشمل فرص التشغيل، والإنتاجية، وكفاءة الإنفاق، واستمرارية المشروعات. ومع ذلك، ينبغي إدراك أن النماذج الاقتصادية، مهما بلغت دقتها، لا تقدم حلولًا مضمونة؛ إذ تتأثر بجودة البيانات والافتراضات والظروف غير المتوقعة. كما أن الاستقرار النقدي وحده لا يعالج البطالة الهيكلية أو ضعف الاستثمار والإنتاجية، ما يستدعي تكامل السياسات الاقتصادية والتعليمية والاجتماعية. إن الرسالة الأعمق لنوبل الاقتصاد 2026 هي أن المعرفة تصبح قوة اقتصادية عندما تتحول إلى قرارات قابلة للتنفيذ. والأردن يمتلك من الكفاءات العلمية والشبابية ما يؤهله لتبني هذا النهج، شريطة الاستثمار في البحث التطبيقي وربط التعليم بالإنتاج وصناعة القرار. فمستقبل الدول لا تحدده قدرتها على تجاوز الأزمات فحسب، بل قدرتها على توقعها والاستعداد لها. وحين يصبح العلم مرجعًا للقرار، والتعليم مصدرًا للإنتاج، والابتكار أداة لتحسين حياة الناس، يتحول الاستقرار الاقتصادي من استجابة مؤقتة للأزمات إلى قدرة وطنية مستدامة تصنع التنمية وتحمي كرامة الإنسان.












































