اخبار الاردن
موقع كل يوم -جو٢٤
نشر بتاريخ: ١٠ أب ٢٠٢٥
الاقتصاد العالمي: التكنولوجيا ترفع وتيرة النمو
د. عدلي قندح
شهد شهر يوليو 2025 مشهداً اقتصادياً معقداً تداخلت فيه مؤشرات النمو مع رياح تضخمية متقلبة، في بيئة استثمارية جمعت بين فرص بارزة وتحديات حقيقية. فقد ساهمت تسويات النزاعات التجارية وتحركات البنوك المركزية في صياغة مسار الأسواق، بينما لعبت نتائج قطاع التكنولوجيا دور المحرك الرئيس لارتفاع المؤشرات الأمريكية، في حين تراجعت الأصول الدفاعية تحت ضغط قوة الدولار وتراجع القلق من التضخم قصير الأجل.
من أبرز المحركات الاقتصادية الكبرى لهذا المشهد نذكر ما يلي:
1. تسوية النزاع التجاري عبر الأطلسي
جاء الاتفاق بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على فرض تعريفة أساسية بنسبة 15% كعامل مفصلي أعاد الوضوح إلى المشهد التجاري العالمي، وأوقف تصعيداً كان سيؤدي إلى توترات اقتصادية أعمق. ورغم أن هذه الخطوة مثّلت عبئاً اقتصادياً على أوروبا، فإنها عززت ثقة المستثمرين في الأصول الأمريكية، وانعكس ذلك على قوة مؤشر الدولار الذي ارتفع بنسبة 3.20%، ما أدى بدوره إلى ضغط على السلع المقومة بالدولار، وعلى رأسها الذهب.
2. توقف دورة خفض الفائدة
قرار كل من الاحتياطي الفيدرالي والبنك المركزي الأوروبي التوقف المؤقت عن خفض أسعار الفائدة لم يكن تغييراً في الاتجاه، بل وقفة تكتيكية لمراجعة التطورات. الفيدرالي الأميركي أبدى تحفظه نتيجة المخاطر التضخمية الناجمة عن الرسوم الجمركية، بينما تبنى المركزي الأوروبي موقفاً أكثر توازناً. وأسفر ذلك عن ارتفاع طفيف في عوائد السندات الأمريكية لأجل عشر سنوات إلى 4.37%، وهو ما يعكس توقعات الأسواق ببقاء السياسة النقدية مشددة نسبياً حتى الربع الرابع من العام.
3. التضخم وموسم الأرباح
رغم أن الرسوم الجمركية أضافت مزيداً من الضغوط التضخمية، فإن نتائج الربع الثاني جاءت مفاجئة بالإيجاب، خصوصاً في قطاع التكنولوجيا، ما دفع مؤشر ناسداك لتحقيق أفضل أداء شهري بين المؤشرات الرئيسة بنسبة +2.76%. كما صعد مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنسبة +2.46% بدعم من قوة الاستهلاك المحلي، بينما سجل مؤشر داو جونز مكاسب طفيفة قدرها +0.16%. في المقابل، تراجع الذهب بنسبة -0.42% إلى 3,289.93 دولار للأونصة، في إشارة إلى انخفاض الطلب على أدوات التحوط.
وفي قراءة جغرافية وقطاعية للأسواق لابرز ثلاثة قارات محركة للنمو الاقتصادي في العالم، نلاحظ مايلي:
في الولايات المتحدة: قاد قطاع التكنولوجيا الموجة الصعودية مدفوعاً بارتفاع الطلب على الخدمات الرقمية وحلول الذكاء الاصطناعي، مع بقاء الاستهلاك المحلي في حالة صمود ملحوظ.
في أوروبا: الأداء جاء متبايناً تحت ضغط العملة وتراجع القطاعات الدفاعية، وهو ما يعكس التحديات المرتبطة بالرسوم الجمركية.
في آسيا: بيانات الصادرات الصينية القوية والفائض التجاري المفاجئ عززت أداء الأسواق الإقليمية، رغم استمرار ضعف الطلب الداخلي في الصين، ما أبقى التوقعات مفتوحة أمام تدخلات تحفيزية.
ولدى تحليل النشاط في أسواق الدخل الثابت، يلاحظ محافظة السندات ذات الدرجة الاستثمارية على استقرار الفوارق الائتمانية عند نحو 110 نقاط أساس، وهو ما يعكس ثقة المستثمرين في جودة الائتمان المؤسسي. وفي المقابل، ارتفعت علاوة المخاطر على السندات عالية العائد إلى حوالي 330 نقطة أساس، ما يشير إلى تحوط تدريجي تحسباً لأي تباطؤ اقتصادي.
اما المشهد في أهم الأسواق الناشئة، فكان كما يلي:
في الصين: واصلت الصادرات أداءها القوي، لكن ضعف الطلب المحلي قد يدفع السلطات لاعتماد حزم تحفيزية.
في البرازيل: واجهت ضغوطاً قوية بعد فرض الولايات المتحدة رسوماً بنسبة 50% على صادراتها، ما أدى إلى تراجع العملة وسط توترات سياسية محتملة.
في الهند: استقرار الروبية وتدفقات الاستثمارات الأجنبية القوية يعكسان استمرار جاذبية الإصلاحات الاقتصادية.
وفيما يتعلق بالأصول البديلة، كان المشهد كما يلي:
الذهب: انخفض تحت تأثير قوة الدولار وتحسن معنويات المخاطرة.
النفط: تحرك في نطاق محدود بين 64.64 و70.50 دولاراً للبرميل، في ظل توازن العرض والطلب، مع استمرار المخاوف بشأن ضعف الطلب.
العملات الرقمية: حافظ البيتكوين على مستوى يفوق 107,000 دولار، بينما واصل الإيثريوم تسجيل أداء قوي مدفوعاً بعودة الاهتمام المؤسسي.
تتجه أنظار الأسواق نحو بيانات مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي (PCE) وتصريحات مسؤولي الفيدرالي في اجتماع جاكسون هول، مع متابعة دقيقة لأي تطورات جديدة على صعيد الرسوم الجمركية. وفي هذه البيئة، تبدو الاستراتيجية الأمثل هي تعزيز الانكشاف على الأصول عالية الجودة، خاصة في سوق الائتمان الأمريكي، مع الاستفادة من فرص سندات الشركات في الأسواق الناشئة، والحفاظ على تنويع جغرافي متزن للمحافظ الاستثمارية.
لذا فأن التوزيع الامثل لأي استراتيجية استثمارية متوازنة يمكن أن تشكل الأسهم فيها 50% من المحفظة مدعومة بحوالي 30% في السندات لتوفير الاستقرار، مع تخصيص 10% للنقد لتعزيز السيولة و10% للاستثمارات البديلة بهدف تنويع مصادر العائد وتقليل المخاطر.
في ظل بيئة اقتصادية عالمية تتسم بالتعقيد والتقلب، تظل التكنولوجيا المحرك الرئيس الذي يعزز وتيرة النمو ويعيد تشكيل آفاق الاستثمار والتنافسية. إن إدراك هذه المتغيرات واستشراف تأثيراتها المستقبلية يمثل ركيزة أساسية لصنع السياسات المالية والنقدية التي تتسم بالمرونة والفعالية، وتعزيز القدرات المؤسسية والفردية على التكيف مع المستجدات الاقتصادية. لذا، يصبح من الضروري اعتماد استراتيجيات استثمارية متوازنة ومدروسة تستند إلى تنويع الأصول وجودة الاستثمار، لتوفير الحماية اللازمة وتحقيق النمو المستدام. وفي هذا السياق، تبقى متابعة التطورات التقنية والاقتصادية، وتحليل دقيق للمؤشرات العالمية، عناصر حاسمة في توجيه القرار الاقتصادي على المستويين الوطني والعالمي، بما يضمن تعزيز الاستقرار الاقتصادي وتحقيق رفاهية الشعوب.