اخبار اليمن
موقع كل يوم -شبكة الأمة برس
نشر بتاريخ: ١٢ كانون الثاني ٢٠٢٦
قالت صحيفة “ليبراسيون” إن فرنسا كانت دائماً تفاوض من موقع الأغلبية لضمان قيادتها الأوروبية، غير أن رفض معاهدة “ميركوسور” مع دول في أمريكا الجنوبية، وهي سابقة أولى لاتفاق بهذا الحجم، يشير إلى أي حد لم يعد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ممسكاً بزمام الأمور داخل بلاده.
وأوضحت الصحيفة أن فرنسا حافظت حتى النهاية على معارضتها للاتفاق التجاري الذي سيربط الاتحاد الأوروبي بدول ميركوسور (الأرجنتين والبرازيل وبوليفيا و باراغواي و الأوروغواي). وصوّتت بـ“لا” يوم الجمعة، إلى جانب بولندا والمجر وإيرلندا والنمسا، فيما امتنعت بلجيكا عن التصويت بسبب عدم التوصل إلى اتفاق بين إقليمي فلاندر ووالونيا، وهو ما يُعد قانونياً بمثابة تصويت ضد.
غير أن هذه الدول، التي برّرت رفضها باعتبارات زراعية، لم تكن كافية من حيث العدد لبلوغ “الأقلية المعطِّلة” التي يجب أن تضم إما 13 دولة من أصل 27، أو دولاً تمثل أكثر من 35% من سكان الاتحاد الأوروبي (من بينها أربع دول على الأقل من مجلس الاتحاد). أما بقية الدول التي كانت لديها تحفظات (إيطاليا ورومانيا وهولندا)، فقد رفعتها في ضوء الضمانات العديدة التي حصلت عليها باريس خلال الأسابيع الأخيرة، وانضمت منطقياً إلى الأغلبية المؤهلة اللازمة للسماح بالتوقيع على الاتفاق.
وبذلك -تضيف “ليبراسيون”- ستتمكن رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، من التوجه إلى باراغواي، التي تتولى رئاسة ميركوسور منذ نهاية شهر ديسمبر، لوضع توقيعها، على الأرجح يوم السبت -وليس يوم الاثنين كما كان مقرراً في البداية- لأسباب تتعلق بالجدول الزمني.
وتابعت الصحيفة التوضيح أن وضع فرنسا في موقع الأقلية أمر نادر إلى حد أن الدبلوماسيين المخضرمين يضطرون إلى استحضار ذاكرتهم للعثور على سوابق مشابهة. وفي الواقع، لا بد من العودة إلى عام 2001، أي قبل خمسة وعشرين عاماً، للعثور على سابقة، حين عارضت فرنسا آنذاك لائحة “كل شيء إلا السلاح” التي ألغت الحواجز الجمركية أمام أفقر الدول.
وكانت الاعتبارات الزراعية (موز الأقاليم ما وراء البحار) قد طغت آنذاك أيضاً على الواجب الأخلاقي بمساعدة تلك الدول، ولا سيما في ظل حالة التعايش السياسي بين الرئيس الأسبق جاك شيراك ورئيس الوزراء الأسبق ليونيل جوسبان، وقبيل الانتخابات الرئاسية لعام 2002.
وفي نهاية عام 1992، كانت الحكومة الاشتراكية الفرنسية برئاسة بيار بيرغوفوا قد هددت باستخدام “تسوية لوكسمبورغ”، التي تمنح حق النقض للدول التي تعتبر أن أحد “مصالحها الأساسية” مهدد، من أجل عرقلة اتفاق “بلير هاوس” بشأن القضايا الزراعية بين الجماعة الاقتصادية الأوروبية والولايات المتحدة، والذي مهّد لاتفاق مراكش عام 1994 المنشئ لمنظمة التجارة العالمية. وفي نهاية المطاف، وبعد كثير من التقلبات، صادقت فرنسا على ذلك الاتفاق.
في الواقع، تشير “ليبراسيون”، كانت باريس دائماً تحرص على أن تكون ضمن الأغلبية، حتى لو اضطرت إلى القبول بالخسارة في بعض النقاط، وهو ما يعكس براعتها الدبلوماسية ورغبتها في ممارسة دور قيادي داخل أوروبا. وهذا يشكّل فارقاً كبيراً مقارنة بألمانيا، المقيدة بتعقيد تنظيمها المؤسسي، حيث لا يستطيع المستشار اتخاذ قرار من دون موافقة أغلبيته، بل وأحياناً من دون موافقة الولايات في المجالات التي تدخل ضمن صلاحياتها. وهذه هي حالة فرنسا اليوم.
ويعترف دبلوماسي رفيع المستوى قائلاً: “في المناخ السياسي الفرنسي الحالي، كان من المستحيل التصويت لصالح الاتفاق. كنا بحاجة إلى مزيد من الوقت، شهرين أو ثلاثة، بعد تجاوز معرض الزراعة، وفصل الشتاء، والانتخابات البلدية والنقابية، والمرض الجلدي الذي يفتك بالقطعان، من أجل محاولة إظهار أن فرنسا حصلت على إرساء نموذج جديد للاستيراد الزراعي، سواء على صعيد إجراءات الحماية، أو أخذ تأثير الواردات في الاعتبار على كل سوق وطني، وليس على السوق الداخلية ككل، وحظر أي أثر للمبيدات الأكثر خطورة، واستثناء الأسمدة من ضريبة الكربون على الحدود، وزيادة الميزانية الزراعية المضمونة في الأطر المالية 2028–2034 بمقدار 45 مليار يورو”، كما تنقل عنه الصحيفة.
ويؤيد جان-لوك ديمارتي، المدير العام السابق المكلف بالتجارة الخارجية في المفوضية الأوروبية، والمفاوض على اتفاق ميركوسور، هذا الرأي قائلاً: “هذا صحيح، وهو السبب الذي دفع إيطاليا ورومانيا وهولندا في نهاية المطاف إلى الانضمام إلى الأغلبية” تُشير “ليبراسيون”.
لكن دبلوماسياً آخر يتحسر قائلاً: “عندما يتم التصويت على قرار ضد هذا الاتفاق تقدمت به حركة فرنسا الأبية اليسارية ويحصل على 245 صوتاً من النواب (أي تقريباً جميع الحاضرين في ذلك اليوم، 27 نوفمبر الماضي في الجمعية الوطنية الفرنسية )، فهذه حقيقة سياسية مُلزمة”.
وأضاف مستشار للرئيس الفرنسي، يوم الخميس، أن “رغم هذه التقدمات أو ربما بسببها، فإن الخلاصة التي توصل إليها الرئيس والحكومة هي وجود رفض سياسي شامل”، معتبراً أن فرنسا لم يكن أمامها خيار سوى التصويت بـ“لا”.
وبعبارة أخرى، تواصل “ليبراسيون”، بعد أن صعدت السلطات السياسية عالياً في شجرة الرفض، بات من المستحيل النزول عنها من دون خسائر، إذ لم يتولَّ أي حزب فرنسي الدفاع عن هذا الاتفاق، كما أن الرأي العام يعارضه. وهذا يمثل اختلافاً واضحاً عن عام 1992 حين تحمّلت أحزاب الحكم مسؤولياتها. وتكمن المشكلة أيضاً في أن المستفيدين المستقبليين من هذا الاتفاق (في الزراعة والنبيذ والمشروبات الروحية والألبان والمؤشرات الجغرافية المحمية، ولكن خصوصاً في الصناعة والخدمات) التزموا صمتاً شبه تام.
واعتبرت الصحيفة الفرنسية أن هذه الحلقة ستترك آثاراً عميقة: ففي نظر الأوروبيين وبقية العالم، بات واضحاً أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لم يعد يتمتع بثقل داخلي، وأن كلمته لم تعد ملزمة إلا له، وهو ما يشكل إضعافاً لموقع أوروبا التي تجد نفسها من دون قيادة واضحة في مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية والصين وروسيا، في وقت لا تستطيع فيه ألمانيا وحدها ملء الفراغ الذي خلّفته فرنسا.













































