اخبار اليمن
موقع كل يوم -صحيفة ٤ مايو الالكترونية
نشر بتاريخ: ٢٥ أذار ٢٠٢٦
4 مايو/ حافظ الشجيفي
يتجلى للناظر في أحوال السياسة حين تصادم طبائع الشعوب، أن بعض الدول تظن القوة في البطش، والسياسة في ليّ الأعناق، فتمارس من فنون الاستعلاء ما تتوهم به صياغة الوجود وفق مشيئتها، وما درت هذه القوى أن إرادة الجماعة إذا استقرت في سويداء القلوب صارت كالحديد الصلب، كلما ازداد الطرق عليه اشتد صلابة وتماسكا، وهذا ما نراه اليوم في المشهد الجنوبي الذي غدا آية من آيات التحول النفسي والاجتماعي، فلقد كان في الناس فئات شتى، منهم من اعتزل الفتنة وآثر السلامة، ومنهم من وقف على حياد بارد لا يعنيه صراخ القضايا ولا ضجيج الهويات، ومنهم من كان يحمل في صدره غلظة على المجلس الانتقالي أو ريبة من توجهاته، ويرى في الوحدة ملاذا أو في الانفصال مغامرة لا يشتهيها، غير أن كيمياء النفوس تتبدل حين يمس الكبرياء مسا مهينا، فمنذ ذلك اليوم المشهود في يناير المنصرم، حين انطلقت نيران القصف السعودي لتطال القوات الجنوبية في حضرموت والمهرة، وقع في الوجدان الجمعي ما لم تحسب له الرياض حسابا، إذ لم يكن القصف مجرد حديد ونار، بل كان صدمة كهربائية أيقظت في المحايدين نخوة الأرض، ونزعت من صدورهم تلك الغشاوة التي كانت تحجب عنهم حقيقة الصراع، فإذا بهم ينقلبون من الصمت إلى الصياح، ومن الجمود إلى الغلو في الانحياز للقضية الجنوبية، حتى غدا أشد الناس عداوة للمجلس الانتقالي بالأمس هم اليوم أكثرهم ترفعا عن الخصومة معه، لا حبا في شخوصه بل ذودا عن الذات التي أرادت السعودية كسرها وإذلالها.
والمتأمل في فعل المملكة يجدها كمن يحاول إطفاء الحريق بصب الكيروسين عليه، فكلما أوغلت في استفزاز مشاعر الشعب الجنوبي عبر أدواتها وأذرعها المحلية التي باعت ذممها في أسواق النخاسة السياسية مقابل الفتات، وجدت أن هذا الشعب يزداد اشتعالا وتمسكا بحقه، فالسعودية بجهلها بطبائع الشعب الجنوبي تظن أن القمع يولد الخضوع، وما علمت أن الضغط في المعادلة الإنسانية يولد الانفجار، وأن الشعوب التي تمرست على الصعاب لا تزيدها المحن إلا مضاء، فهذه الأدوات الجنوبية التي تحركها الرياض كقطع الشطرنج للنيل من إرادة شعبها، أصبحت اليوم هي الدليل القاطع على صدق القضية، إذ يرى المواطن البسيط كيف تباع بلاده في المزاد، فيشتد عضده ويلتحم مع أخيه، فصارت التصرفات السعودية الحمقاء هي المحرك الأكبر للوعي الوطني الجنوبي، وهي الوقود الذي يغذي نار الثورة كلما خمدت أو نال منها الفتور، ومن هنا يدرك اللبيب أن لا خوف على القضية الجنوبية من هذه التخرصات والمؤامرات، بل لعل هذه الأفعال هي المنحة التي خرجت من رحم المحنة، فبدلا من أن تحقق السعودية أهدافها في ترويض الجنوب وتمزيق نسيجه، انقلبت النتائج ضدها جملة وتفصيلا، وصار الجنوبيون اليوم كتلة واحدة تتكسر عليها نصال الغدر، وتتحطم أمامها أوهام الهيمنة، فلا الوحدة المزعومة بقيت في نظرهم قدسا، ولا السعودية ظلت في أعينهم جارا مأمونا، بل استبان الصبح لذي عينين، وعرف الناس أن كرامة الأرض من كرامة الإنسان، وأن الذي يضربك في عقر دارك لا يريد لك صلاحا ولا فلاحا، وهكذا نجد أن الغطرسة حين تتجاوز حدها تنقلب إلى سلاح في يد المظلوم، يشهره في وجه الظالم بوعي جديد وإصرار لا يلين.
ولعمري فإن المشهد الآن يفوق في دلالته حدود السياسة الضيقة إلى رحاب الفلسفة الوجودية للشعوب، حيث يتوحد الوجدان أمام الخطر الوجودي، فالسعودية بتدخلها السافر أرادت أن تصنع جنوبا مهيض الجناح، يأتمر بأمرها ويدور في فلكها، فإذا بها تصنع شعبا فولاذيا، كأنما نفخت في ركامه روح التحدي فقام ماردا لا يقبل الضيم، فكلما حاولت تلك القوى استلاب القرار الجنوبي أو فرض وصايتها عبر الوكلاء والمأجورين، ارتد السهم إلى نحر الرامي، وزاد الالتفاف الشعبي حول حاملي راية الاستقلال، فالحياد الذي كان يتعلل به البعض سقط تحت أنقاض القصف، والمواقف الرمادية استحالت بياضا ناصعا في حب الجنوب أو سوادا فاحما في كره التبعية والوصاية، ولم يعد هناك مجال لمناطق الوسط، فالكرامة لا تقبل القسمة على اثنين، والواقع اليوم يشهد أن الشعب الجنوبي أضحى أكثر تماسكا وإصرارا من أي وقت مضى، وكأن تلك الاستفزازات كانت هي الصاقل الذي جلا صدأ الفرقة عن القلوب، فأظهر جوهرها الصلب الذي لا ينكسر، فليعلم الواهمون أن إرادة الشعوب قدر لا يرد، وأن السياسة التي تقوم على استرخاص دماء الأحرار ومصادرة أحلامهم هي سياسة فاشلة بامتياز، ستظل تحصد الخيبات وتزرع في طريقها الأشواك التي ستدمي أقدام السائرين فيها، بينما يظل الجنوب شامخا بوحدته الجديدة التي صاغتها نيران الغدر السعودي وحولتها إلى طاقة خلاقة تضيء درب الحرية والكرامة والسيادة.













































