اخبار اليمن
موقع كل يوم -شبكة الأمة برس
نشر بتاريخ: ١٥ أذار ٢٠٢٦
عبد اللطيف بن اموينة *
فتاة شقراء، مثابرة وهادئة. أمضت ثلاث سنوات في معهد الاقتصاد والمحاسبة، ثم نالت شهادة بتفوق، وصارت تعمل في وكالة مالية تهتم بالمشروعات الصغرى للنساء المهمشات والشباب المعدم القادم من أحزمة البؤس والضياع، تلك الربوع المنسية من كل شيء.
في الصباح، تركب دراجة نارية أنيقة، وفي الخامسة مساء تعود إلى البيت، كنت أتجسس عليها من نافذة المطبخ وراء الشباك الصغير، إلى أن تختفي في زاوية الدرب المفضي إلى الساحة الصغيرة والحمام وبائع المتلاشيات الكئيب، الذي عثر عليه منتحرًا بداخل الدكان وسط أكوام الخشب والبلاستيك والثياب البالية، قال مجهولون إن ذلك وقع بسبب زوجته التي أخذت معها الأبناء واختفت من دون أن يظهر لها أثر... لكن حسن الأشقر صاحب دكان التبغ نفى تلك الرواية، مدعيًا أن الراحل كان يعاني من داء الربو. وربما يكون اختنق في جوف الليل ولم يسمعه أحد.
لكن في بعض الأحيان حين أكون أجلس كسلانًا في المقهى رفقة كمال، ندخن ونلعن العالم، أو غارقًا في مشاهدة فيلم أو مباراة، كنت أنسى بسرعة غريبة أن الفتاة الشقراء المتحفظة تمر بدراجتها والقلادة الصفراء تلمع في صدرها مثل شمس صغيرة.
أنا أيضًا كنت أنسى نفسي تائهًا في الشوارع بلا هدف، وحتى في عز أيام الشتاء، كنت أتجول بين الدروب الضيقة، مختبئًا، أو هاربًا، أتنصت بخفة على الثرثرة وراء النوافذ وروائح المطبخ. إن رجلًا وحيدًا وجائعًا مثلي سيأخذه الخيال بعيدًا. في إحدى المرات، وقد نال مني التعب والجوع، ولم تعد رجلاي قادرتين على حمل ذلك الجسد الضئيل الضائع في غبار العربات والزقاقات المظلمة، كان هنالك ضوء خافت في الطابق الأول، وأصوات الحديث كانت تتعالى ثم تنخفض. طرقت مرتين وتراجعت خطوتين، كعادتي، إلى الخلف، خرجت امرأة بدينة من المنزل المجاور، التفتت إلى اليمين والشمال ثم عادت وأغلقت الباب، من فتحات النافذة المتآكلة رأيت ظل شخص ما، فكرت بابنتها، أو ابنها، أو زوجها. ربما كانت الفتاة اليافعة التي تركت مقاعد الدراسة.
تذكرت أن ابنها الشاب القصير ذا البنية الرياضية والنظرات الحادة كان يقضي عقوبة سجنية طويلة. أما زوجها فقد كان طريح الفراش، أحيانًا كان يجلس مهملًا تحت الشمس فوق الكرسي المتحرك لساعات طويلة، كان يبدد تلك الوحشة بالتلويح لتجار السمك العابرين، أو لسائقي عربات الجياد، مرة رأيته يبتسم وهي لقطة نادرة جدًا، كان يلوح بيده المرتعشة، وينادي بصوته الأجش بوشعيب صاحب العربة الخضراء:
ــ واهيا، وتهلا في الوالد... وياك...
عدت إلى طرق الباب، يائسًا ذليلًا، انتبهت إلى الضوء، الذي انطفأ والضحكات التي توقفت فجأة، والصمت المفاجئ القاتل الذي خيم على المكان.
توقفت عن الطرق، وصرت متيقنًا أن لا أحد سيفتح لي الباب. واعترفت أخيرًا في قرارة نفسي:
ــ لا أحد يفتح بابه في ليل الشتاء لرجل تائه بلا مال ولا فائدة.
في صباح اليوم الموالي، تخرج مجددًا، بخصلات شعرها المرمي إلى الأمام وقد امتطت دراجتها واختفت وسط السيارات والعربات مثل نحلة في فضاء لانهائي .
بعد سنوات، وفي تلك الظهيرة من شهر آذار، رأيتها صدفة، وهي تأخذ طفلًا عصبيًا من معصمه، كان الولد الصغير أسمر وذابلًا .
ربما كانت منهكة وحائرة، وهي تجلس على حجرة ضخمة بانتظار أن يكتمل عدد ركاب التاكسي الأبيض الذي يقل الناس إلى ضاحية المدينة.
أشحت بنظري عنها قليلًا، ولكن سرعان ما استيقظ فضول مبهم وغامض بداخلي، وبدأت أسرق نظرات خاطفة باتجاه المكان، بدت لي حينها جسدًا بلا روح، منبوذ ومنسي في تلك البقعة المقفرة وسط الغبار والجلبة وصياح السائقين. ابتعدت خطوات قليلة، حتى بدا لي جسدها يغيب عن ناظري، كأنما يغرق شيئًا فشيئًا في بحيرة عميقة إلى الأبد.
خلال الطريق، تذكرت غرفتها المضيئة قبالة منزل الحلاق غريب الأطوار، ووالدها المدخن الشره، أتذكر الآن الشاحنة الحمراء وابتسامته الوديعة في المقهى، هناك كان يأتي ليلعب الورق مع الحارس البدين والمعلم العصبي عبد الله وبقية المجانين، كنا نتحلق حولهم حتى آخر الليل، ندخن ونشرب مجانًا من زجاجات المشروب الغازي، وحين يهم النادل بإغلاق المقهى، نخرج حائرين لتزجية الوقت إلى زاوية الشارع قرب بائع السجائر الذي أمضى أكثر من عشرة أعوام مقيمًا في سيارة مهجورة.
وجهت بصري إلى الشارع العريض الفارغ، وإلى الأفق الذي تلون بأزرق خفيف وساحر قبل الظهيرة. وفي المقهى المطل على محطة الوقود الوسخة، كان جمع من الناس يتحدثون وبعضهم كان يقهقه، وحين اقتربت من نهاية الزقاق الصغير باتجاه مركز الأيتام بمحاذاة الضريح ثم المقبرة الواسعة المطلة على البحر، كانت الريح تدمع عيناي وقد لاحقني صوت المغني جارحا يمزق الزمن والإسفلت والجدران المشققة:
ركبنا قطار الحياة
وبقت ورانا ذكريات...
*الرباط/ المغرب.













































