اخبار اليمن
موقع كل يوم -المشهد اليمني
نشر بتاريخ: ١ أذار ٢٠٢٦
مع الهجوم الأمريكي الإسرائيلي المشترك على إيران، والذي سُقفه المعلن أمريكياً – وفق تصريحات الرئيس دونالد ترامب – هو إسقاط النظام، يبرز سؤال جوهري حول الدور المحتمل للحوثيين في هذه الحرب، بوصفهم أبرز حلفاء طهران الإقليميين في الوقت الراهن، بعد تراجع أدوار حلفاء آخرين مثل حزب الله في لبنان، وسقوط النظام السوري، وانكفاء بعض المليشيات العراقية. وتزداد أهمية هذا التساؤل بالنظر إلى الميزة الجغرافية التي يتمتع بها الحوثيون من خلال سيطرتهم على مناطق مطلة على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، بما يمنحهم قدرة عملية على تنفيذ عمليات عسكرية مساندة لإيران إذا ما قرروا ذلك.
حتى الآن، لا يزال الموقف الرسمي المعلن من قبل الحوثيين هو الترقب ومتابعة تطورات الحرب، مع نفي رسمي لما تم تداوله إعلامياً بشأن استئناف الهجمات ضد الملاحة البحرية في البحر الأحمر. وكان هذا النشاط العسكري قد توقف في وقت سابق بالتزامن مع اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، وقبل ذلك جرى التوصل – بوساطة عُمانية – إلى تفاهم غير مباشر بين الحوثيين والولايات المتحدة يقضي بوقف الهجمات المتبادلة بين الطرفين. وبموجب ذلك، توقفت الهجمات على السفن الأمريكية، وتبعها توقف الهجمات على السفن الإسرائيلية أو المتجهة إلى موانئ إسرائيل بعد اتفاق وقف إطلاق النار في غزة.
وفي هذا السياق، فإن السؤال الأهم لا يتعلق بقدرة الحوثيين العسكرية، بل بالمحددات التي قد تدفع صانع القرار الحوثي إلى اتخاذ قرار بالانخراط الفعلي في الحرب إلى جانب إيران. وبطبيعة الحال، فإن المحدد الرئيسي يتمثل في البعد الزمني والمكاني للصراع الدائر؛ فإذا أخذت الحرب منحى طويلاً واتسعت رقعتها لتشمل حلفاء إيران الإقليميين، مثل حزب الله اللبناني أو المليشيات الشيعية في العراق، وبلغت مستوى يهدد بقاء النظام الإيراني نفسه، فإن احتمال انخراط الحوثيين يصبح أكثر ترجيحاً، ولو في مرحلة متأخرة من الحرب.
غير أن هذا الانخراط – إن حدث – يُرجّح أن يظل محصوراً جغرافياً في نطاق البحر الأحمر ومضيق باب المندب، عبر استهداف السفن المرتبطة بالولايات المتحدة أو إسرائيل، أو عبر التهديد بإغلاق المضيق، وهي ورقة استراتيجية تعوّل عليها طهران في حالات الضرورة القصوى لتخفيف الضغط العسكري عنها. ومع ذلك، فإن استخدام هذه الورقة يبقى محفوفاً بتداعيات كبيرة، ليس فقط على مستوى الصراع الإقليمي، بل أيضاً على وضع الحوثيين أنفسهم.
فمن الناحية الواقعية، يدرك الحوثيون أن أي تصعيد عسكري مباشر ضد السفن الأمريكية أو تهديد الملاحة الدولية سيعرّضهم لضربات أمريكية قاسية، ربما تكون أشد من تلك التي استهدفتهم العام الماضي والتي طالت مفاصل القوة العسكرية والعديد من القيادات الكبيرة.
وفي المقابل، فإن استهداف السفن الإسرائيلية تحديداً قد يفتح الباب أمام ردود إسرائيلية مباشرة عبر الضربات الجوية، وهو خيار مكلّف عسكرياً لكنه يظل متاحاً لتل أبيب، التي تسعى في الوقت ذاته إلى دفع واشنطن نحو الانخراط في عملية عسكرية أوسع ضد الحوثيين، ضمن مساعيها لإضعاف أذرع إيران في المنطقة. كما أن أي تصعيد حوثي في ظل استمرار وقف إطلاق النار في غزة قد يُنظر إليه دولياً على أنه تحرك غير مبرر، ما يضع الحوثيين في مواجهة ضغوط سياسية وعسكرية مضاعفة.
وعلاوة على ذلك، فإن البيئة الإقليمية والدولية الحالية لا تبدو في صالح الحوثيين إذا قرروا التصعيد؛ إذ قد يفضي أي تهديد جدي للملاحة في البحر الأحمر إلى تحريك الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً على الأرض، بدعم إقليمي، باتجاه محافظة الحديدة الساحلية والتي جرى إيقاف عملية تحريرها بضغوط دولية عام 2018.
من هنا، يتضح أن حسابات الحوثيين لا تقتصر على اعتبارات التحالف مع إيران، بل تشمل أيضاً تقدير الكلفة المباشرة لأي انخراط عسكري؛ فهم يدركون أن لديهم مصلحة سياسية في إظهار الدعم لحليفهم الإيراني، لكنهم يدركون في الوقت ذاته أن أي خطوة عسكرية غير محسوبة قد ترتد عليهم بأضرار كبيرة، عسكرية واقتصادية وسياسية، وربما تدفعهم إلى مواجهة دولية أوسع في توقيت غير مناسب.
ولذلك، يمكن القول إن تطورات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران – من حيث مدتها واتساع رقعتها الجغرافية – ستظل العامل الحاسم في تحديد سلوك الحوثيين خلال المرحلة المقبلة؛ فإذا انتهت الحرب سريعاً أو بقيت ضمن نطاق محدود، فسيكون من المرجح استمرار موقف الترقب دون انخراط مباشر. أما إذا طال أمدها وبلغت مستوى تهديد وجودي للنظام الإيراني، فإن احتمال مشاركة الحوثيين، ولو بشكل تدريجي ومحدود جغرافياً في البحر الأحمر وباب المندب، سيظل خياراً قائماً على الطاولة.
وفي كل الأحوال، فإن أي انخراط عسكري حوثي لن تكون كلفته محصورة عليهم وحدهم، بل قد يدفع اليمن – ببنيته التحتية المتهالكة واقتصاده المنهك – ثمناً باهظاً إضافياً، وهو ما يجعل استمرار الحرب الإقليمية واتساعها عاملاً خطيراً لا على توازنات المنطقة فحسب، بل على معاناة اليمنيين الذين أنهكتهم سنوات الصراع والحصار والانهيار الاقتصادي.
*الهدهد













































