اخبار اليمن
موقع كل يوم -المشهد اليمني
نشر بتاريخ: ٢٩ أذار ٢٠٢٦
في لحظات التحولات الكبرى التي تمر بها المحافظات الجنوبية، لا يبرز في المشهد إلا أولئك الرجال الذين تصنعهم المواقف، وتصقلهم الميادين، وتمنحهم التضحيات شرعية الحضور في ذاكرة التاريخ. وفي هذا السياق اليمني الدقيق، يتقدم اسم الفريق الركن محمود الصبيحي بوصفه أحد أبرز رموز الدولة الوطنية، ورجل المرحلة الذي تجتمع في شخصه معاني القيادة، والشجاعة، والانتماء الاجتماعي المتجذر، والمسؤولية الوطنية.
إن الحديث عن الفريق الركن محمود الصبيحي لا يقتصر على استحضار شخصية عسكرية، بل يتجاوز ذلك إلى استدعاء نموذج متكامل لرجل الدولة، الذي يحمل مشروعًا وطنيًا واضح المعالم، يقوم على استعادة مؤسسات الدولة، وترسيخ سيادة القانون، وبناء منظومة مؤسسية حديثة تستوعب الجميع وتحمي الجميع. فهو رجل المؤسسة قبل كل شيء، ورجل القانون الذي يدرك أن الدولة لا تُبنى بالسلاح وحده، بل بالإرادة السياسية الواعية، والانضباط المؤسسي، والالتزام الصارم بالثوابت الوطنية.
لقد شكل الصبيحي، عبر مسيرته، نموذجًا فريدًا يجمع بين الانتماء الوطني الصادق والامتداد الاجتماعي العميق، حيث يُنظر إليه كأحد أبرز أبناء الجنوب الأوفياء الذين حملوا قضيتهم بصدق ومسؤولية، دون أن ينفصلوا عن الإطار الوطني الجامع للجمهورية اليمنية. فهو رجل القبيلة حين تستدعي الحكمة، ورجل الدولة حين يتطلب الموقف قرارًا سياديًا، ورجل السلام حين يكون السلام خيارًا، ورجل الحرب حين تُفرض المواجهة دفاعًا عن الوطن.
ويظل سجله النضالي شاهدًا حيًا على صفاء موقفه وصلابة التزامه، إذ كان في طليعة من تصدّوا للمليشيات الحوثية خلال اجتياحها للمحافظات الجنوبية، مدافعًا عن الأرض والإنسان، متقدمًا الصفوف في ميادين المواجهة، في وقتٍ اختار فيه البعض الصمت، أو الارتهان، أو الانخراط في مشاريع لا تمت بصلة للمصلحة الوطنية.
ولعل أكثر ما يجسد هذا الموقف التاريخي هو سنوات الاعتقال القاسية التي قضاها في سجون مليشيات الحوثي، حيث أمضى ثمانية أعوام من المعاناة، لا لذنبٍ اقترفه، بل لأنه وقف بثبات في وجه مشروع الانقلاب، ودافع عن الدولة وعن دماء أبنائها. تلك السنوات لم تكن مجرد احتجاز، بل كانت وسامًا نضاليًا يُضاف إلى رصيده الوطني، وشهادة دامغة على حجم التضحيات التي قدمها في سبيل اليمن.
وفي مقابل هذا التاريخ الناصع، تطل علينا اليوم بعض الأصوات التي تحاول النيل من هذه القامة الوطنية عبر حملات إعلامية تفتقر إلى المصداقية، وتعكس في جوهرها حالة من الإفلاس السياسي والأخلاقي. إن هذه الأقلام، التي تحركها أجندات خارجية، لا تستهدف شخص الصبيحي بقدر ما تستهدف رمزية الدولة التي يمثلها، وتسعى إلى تقويض أي مشروع وطني جامع يعيد لليمن مكانته وهيبته.
وهنا يبرز السؤال المشروع: أين كانت هذه الأصوات حين كانت المليشيات الحوثية تجتاح المحافظات الجنوبية، وتقتل أبناءها، وتشرّد نساءها وأطفالها؟ أين كانوا حين كان الصبيحي يقاتل في الجبهات دفاعًا عن الأرض والعرض؟ بل أين كانوا حين اعتُقل وتُرك وحيدًا في سجون الانقلاب لثماني سنوات، بينما اكتفى البعض بالمراقبة أو التبرير أو حتى التواطؤ؟
إن المفارقة المؤلمة أن من يحاولون اليوم التشكيك في مواقف هذا الرجل هم أنفسهم الذين عجزوا، خلال سنوات إدارتهم، عن تقديم نموذج يُحتذى به في الحكم أو الإدارة. بل كانت حصيلة تلك السنوات مثقلة بالإخفاقات، من انتشار المليشيات المسلحة، إلى تفشي السجون غير القانونية، إلى موجات الاغتيالات والاعتقالات، وصولًا إلى تدهور الخدمات الأساسية، ونهب الموارد، وإضعاف مؤسسات الدولة.
وفي الوقت الذي يسعى فيه الفريق الركن محمود الصبيحي إلى حقن دماء أبناء الجنوب، والعمل على استعادة الاستقرار، وتوفير الخدمات الأساسية للمواطن، وإعادة الاعتبار لمكانة الجنوب ضمن إطار الدولة، نجد أن خصومه ينشغلون بإثارة الفوضى، وعقد الصفقات المشبوهة، والارتهان لأجندات لا تخدم إلا مشاريع التفكيك والتقسيم.
فماذا قدمتم أنتم، ومن يقف خلفكم، للجنوب غير الدمار والوجع والألم الذي طال كل بيت؟ وماذا جنى المواطن الجنوبي من سياساتكم سوى السجون، والاغتيالات، ومصادرة الحقوق؟
إن الدفاع عن الفريق الركن محمود الصبيحي في هذا السياق ليس دفاعًا عن شخص، بل هو دفاع عن فكرة الدولة، وعن مشروع وطني يسعى إلى إخراج اليمن من دوامة الصراع إلى أفق الاستقرار. وهو أيضًا موقف أخلاقي في مواجهة حملات التشويه التي تستهدف كل من يتمسك بالثوابت الوطنية ويرفض الانجرار خلف المشاريع الضيقة.
إن الجنوب اليوم لا يحتاج إلى مزيد من المليشيات ولا إلى الشعارات الزائفة، بقدر ما يحتاج إلى دولة، إلى قانون، إلى خدمات، إلى تنمية حقيقية تعيد للإنسان كرامته وتؤسس لمستقبل آمن ومستقر.
وأخيرًا، فإن الواجب الوطني يقتضي من كل الأصوات الجنوبية الحرة والصادقة أن تلتف حول هذا الرجل، وأن تقف إلى جانبه في مشروعه الوطني، وأن تدافع عنه في مواجهة حملات التشويه، وألا تترك الساحة الإعلامية لمن يسعون للنيل منه أو طمس تاريخه.
فالوقوف مع الصبيحي اليوم هو وقوف مع الدولة، مع القانون، مع التنمية، مع العدالة، مع الإنصاف… مع الحق الذي لا لبس فيه.
وستبقى الحقيقة الراسخة أن الرجال الكبار لا تصنعهم الشعارات، بل تصنعهم المواقف… والفريق الركن محمود الصبيحي واحدٌ من هؤلاء













































