اخبار اليمن
موقع كل يوم -المشهد اليمني
نشر بتاريخ: ٢٣ أذار ٢٠٢٦
تشهد المنطقة الممتدة من مضيق هرمز إلى البحر الأحمر (باب المندب) تحولا إستراتيجيا عميقا، حيث لم تعد هذه الممرات مجرد طرق لنقل الطاقة، بل أصبحت أدوات ضغط جيوسياسي في صراع متعدد المستويات.
ويتجلى هذا التحول في تلاقي الدور الإيراني المباشر في الخليج مع الدور اليمني غير المباشر (عبر جماعة الحوثي) في البحر الأحمر.
وتكمن الأهمية الجيوستراتيجية للمضايق في أن مضيق هرمز وباب المندب عقدتان أساسيتان في الاقتصاد العالمي، فمضيق هرمز يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية، أما باب المندب فيربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي، ويؤثر مباشرة على قناة السويس.
هذا الترابط بينهما يجعل أي توتر في أحدهما قابلا للامتداد إلى الآخر، ضمن ما يسميه بعض المحللين: 'سلسلة الاختناق البحرية الممتدة من الخليج إلى المتوسط'.
*البعد الإيراني: إستراتيجية 'التحكم غير المباشر'*
ترى إيران أن المضايق تمثل خط دفاع متقدمٍ، لكنها انتقلت إلى إستراتيجية أكثر تعقيدا تقوم على الردع غير المتكافئ (Asymmetric Deterrence)، باستخدام الوكلاء الإقليميين مع تعدد ساحات الضغط (Multiplex Pressure).
*هرمز كأداة تهديد مباشر*
في الخليج، تمتلك إيران حضورا بحريا مباشرا وصواريخ ساحلية وزوارق سريعة تكتيكية، مما يمنحها القدرة على إغلاق، أو تهديد الملاحة في مضيق هرمز عند التصعيد.
*البحر الأحمر كامتداد إستراتيجي*
هنا يظهر الدور الحوثي: دعم إيران لجماعة الحوثي، لنقل الصراع من الخليج إلى باب المندب، وخلق 'عمق إستراتيجي مزدوج'، يخدم أجندات إيران في المنطقة العربية، ويكسبها أوراقا تفاوضية قوية.
فالحوثيون أصبحوا اليوم فاعلا بحريا، حيث لم يعودوا، مجرد طرف في حرب أهلية، بل يمتلكون قدرات صاروخية وطائرات مسيرة، وإن كانت كلها تحت إشراف مباشر من خبراء من الحرس الثوري الإيراني مقيمين في المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون في اليمن، وأضحت تستهدف السفن في البحر الأحمر.
هذه الإمكانات أتاحت لجماعة الحوثي المجال للتأثير على التجارة العالمية، إذ إن باب المندب يعتبر خاصرة رخوة للنظام الدولي. ويشير محللون غربيون إلى أن باب المندب أقل حماية مقارنة بهرمز، كما أن أي تهديد فيه يؤثر مباشرة على أوروبا، وآسيا.
وبالتالي لا يُنظر هنا إلى الحوثيين كأداة فقط، بل كجزء من شبكة ضغط إقليمية موزعة، تسمح لإيران بإنكار المسؤولية المباشرة مع تحقيق التأثير المطلوب.
ولمعرفة حقيقة التصريحات التهديدية الأخيرة لجماعة الحوثي، ومن أين صدرت على وجه التحديد، فإنّ العارفين ببواطن الأمور سيدركون بلا شك أنّها إيرانية بامتياز.
والحوثيون هنا ليسوا أكثر من صدى إيراني، ومنصة لإطلاق الصواريخ والمسيرات أنشأها عناصر الحرس الثوري الإيراني في اليمن، وتأتي تلك التصريحات في سياق التصعيد المتبادل لجبهات الحرب وأدواتها.
وتعني بوضوح أن الدور قادم على إغلاق باب المندب واستهداف طرق التجارة العالمية عبر البحر الأحمر، إذا أقدم التحالف الأمريكي- الإسرائيلي، على احتلال جزيرة خارك الإيرانية، ونجح في فتح ممر التجارة البحرية عبر مضيق هرمز بالقوة. هو باختصار تهديد عبر الحرس الثوري موجّه للإقليم والمجتمع الدولي.
يشير الباحث الأمريكي أنتوني كورديسمان من مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية 'CSIS' إلى أن إيران تدير الصراع بشكل كبير من خلال الاعتماد على قدرات الحرب غير المتكافئة؛ لتعويض نقاط ضعفها العسكرية التقليدية، وهذا يفسر اعتمادها على الزوارق السريعة والألغام البحرية والوكلاء الإقليميين.
كما يرى كينيث بولاك من معهد المشاريع الأمريكي 'AEI'، أن إيران لا تسعى إلى إغلاق مضيق هرمز فعليا، بل إلى خلق تهديد دائم يجعل تكلفة المواجهة معها مرتفعة جدا، وهذا يعزز فكرة: التهديد كأداة تفاوض لا كهدف نهائي.
*معركة المضيق إذا وقعت*
إذن معركة مضيق عدن إذا وقعت ستكون محاولة إيرانية لتطويق الخليج من الجنوب، ونقل المعركة من 'احتواء إيران' إلى 'الدفاع متعدد الجبهات'، وهنا يبرز مفهوم 'الأمن البحري العربي' من خلال دعوات إلى تشكيل قوة بحرية عربية، وتأمين المضايق بعيدا عن الاعتماد الكامل على الغرب، والربط بين أمن الخليج، وأمن البحر الأحمر.
ويبدو أن الغرب يتعامل مع تهديد الممرات الدولية وحركة التجارة العالمية بشكل انتقائي، وأنه يتحرك فقط عندما تتضرر مصالحه المباشرة.
بيد أن إيران تعمل على أن تكون قوة توسع إقليمي، ومن هذا المنطلق تتبع طهران إستراتيجية 'التمدد عبر الفراغات'، مستغلة الواقع العربي لتوسيع نفوذها. ويرى المدير السابق للمخابرات السعودية الأمير تركي الفيصل أن أمن الخليج لا يمكن فصله عن أمن البحر الأحمر؛ لأن التهديد أصبح دائريا وليس خطيا.
ويؤكد المفكر الكويتي عبدالله النفيسي أن إيران نجحت في بناء 'أذرع إستراتيجية' تتيح لها خوض صراع طويل دون مواجهة مباشرة. وهذا ينسجم مع مفهوم حرب الوكلاء.
إن الحوثيين لا يمتلكون قرارهم الخاص؛ بسبب ارتباطهم بإيران، ويرى المحلل ماسكل نايتس أن دعم طهران هو العامل الحاسم في قدرتهم العسكرية.
أما الباحث الإيراني-الأمريكي فالي نصر، صاحب الكتاب الشهير 'الإستراتيجية العظمى لإيران: تاريخ سياسي'، فيرى أن طهران تستخدم المضايق كورقة ضغط وليس كسلاح انتحاري. في المقابل، يحذر بعض المراقبين الخليجيين من تحول التهديد إلى واقع في حال التصعيد الشامل، بالرغم من أن إيران لا تريد حربا شاملة.
ويخلص وزير خارجية أمريكا الأسبق هنري كيسنجر، في سياق أوسع، إلى أن التحكم في طرق الطاقة دائما يوفر عنصرا مركزيا في القوة العالمية، وهذا يفسر لماذا أصبح هرمز وباب المندب، ليسا مجرد نقاط جغرافية، بل مفاتيح للنظام الدولي نفسه.
من ثم فإنه وفق نظرية 'التصعيد المحسوب' التي تتبناها إيران فإنها لا تسعى لإغلاق المضايق فعليا، بل تستخدم التهديد بإغلاق مضيق هرمز كورقة تفاوض.
والعمليات العسكرية الدائرة حاليا تعد نوعا من الحرب الهجينة (Hybrid Warfare)، حيث يُنظر إلى المشهد كحرب مركبة تشمل، وكلاء (الحوثيين)، وهجمات سيبرانية، وتهديدات بحرية محدودة، لكن هذا المشهد يسبب قلقا من 'تعدد نقاط الاختناق'، ويركز التحليل الغربي على أن الخطر الحقيقي، هو تزامن التهديد في هرمز وباب المندب، مما يخلق أزمة طاقة عالمية.
فالخطر الحقيقي ليس في إغلاق نقطة اختناق واحدة، بل في التعطيل المتزامن لعدة نقاط، وهذا ينسجم مع ربط هرمز بباب المندب، وتوسيع نطاق الضغط الإيراني عبر اليمن. كما يرى الباحث في الأمن البحري جيمس هولمز أنه يمكن للجهات غير الحكومية التي تمتلك قدرات منخفضة التكلفة نسبيا أن تُحدث اضطرابا كبيرا في الشحن العالمي.
وهذا ينطبق تماما على الحوثيين الذين يستخدمون الطائرات المسيرة والصواريخ منخفضة التكلفة. كما يذكر تقرير للمعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية أن تهديد الحوثيين للملاحة يمثل تحولا نوعيا في طبيعة الحرب البحرية، حيث لم تعد الدول وحدها هي الفاعل الرئيسي.
حدود الردع الأمريكي
يشير بعض صناع القرار في الغرب إلى تراجع الهيمنة البحرية الأمريكية النسبية مع صعوبة إدارة صراع متعدد الجبهات، مع إدراك خطورة حرب المضايق، والاعتراف بالدور الإيراني المركزي، والقلق من توسع الصراع ليشمل دخول أطراف أخرى بأجندات سياسية وعسكرية مختلفة.
ويمكن فهم مشهد الدور الإيراني سياسيا وعسكريا، عبر ثلاث دوائر:
دائرة جيوسياسية تدير صراعا على النفوذ بين إيران والغرب والخليج العربي.
والثانية عسكرية تقوم بشن حرب غير مباشرة عبر الوكلاء والمضايق.
والثالثة اقتصادية تتحكم في تدفقات الطاقة والتجارة.
وبالتالي فإن معركة المضايق لم تعد مجرد صراع بحري تقليدي، بل أصبحت نموذجا لصراع معقد تتداخل فيه الجغرافيا الجيوسياسية والاقتصادية والعقيدة العسكرية، مع تأثير كل ذلك على الاقتصاد العالمي، ويمثل التنسيق الحوثي- الإيراني أحد أبرز تجليات هذا التعقيد، حيث تتحول المضايق إلى أدوات تفاوض، وميادين ردع في آن واحد.













































