اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٦ تشرين الأول ٢٠٢٦
م.سعد بن إبراهيم المعجل
لم تكن النخلة في تاريخ المملكة شجرة للغذاء فحسب، بل رفيقة الاستقرار ورمزاً للعطاء والضيافة، واليوم أرى أن المحافظة عليها تكون ببناء منظومة صناعية متكاملة حولها؛ تنقل التمور من محصول نحتفي بموسمه إلى مادة تدخل المصانع والأسواق طوال العام، وتحوّل إرثنا الزراعي إلى قيمة اقتصادية متجددة.
وتستند هذه الرؤية إلى قاعدة إنتاجية كبيرة؛ إذ تجاوز إنتاج المملكة من التمور عام 2025م 1.9 مليون طن، أما قيمة الصادرات فبلغت 1.938 مليار ريال، ووصلت التمور السعودية إلى أكثر من 125 دولة، وأُُعلن في 3 أكتوبر 2026 احتفاظ المملكة بالمرتبة الأولى عالمياً في قيمة صادرات التمور للعام الرابع على التوالي بحسب المركز الوطني للتمور.
ومن منظور صناعي أرى أن التحدي ليس في أن نبيع تموراً أكثر فحسب، بل في أن نجعل لكل تمرة قيمةً اقتصادية أكبر؛ فالمزرعة هي بداية الطريق، وليست نهايته، وما يلي الحصاد من فرز وتصنيع وتعبئة وتسويق هو المجال الذي ينبغي أن يتسع فيه طموحنا. ومن هنا تبرز أهمية الاستفادة من تجارب الدول المصدّرة، لا لمجرد معرفة ترتيبها، وإنما لفهم كيف حوّلت ميزاتها الزراعية إلى مزايا تنافسية بالتخصص في أصناف مطلوبة، أو بناء علامات تجارية موثوقة، أو تطوير منتجات تتجاوز استهلاك التمور بصورتها التقليدية؛ فتونس بنت حضوراً أوروبياً قوياً حول 'دقلة نور'، التي تلقب بـ'سيدة التمور' و'أصابع الضوء'، وتعد من أشهر وأفخر أصناف التمور في شمال أفريقيا، لقد نجحت تونس في تسويقها أوروبياً من خلال تطوير التعبئة والشهادات العضوية والارتباط بالمزارعين. وفي الأردن يقوم نموذج تمور 'المجدول' على التخصص وتنظيم المنتجين ورفع الجودة. أما الإمارات فيجسّد مصنع البركة في دبي مساراً آخر، بتحويل التمور إلى معجون وشراب ومساحيق ومكونات غذائية. والدرس المشترك أن السوق المستهدف ينبغي أن يقود اختيار الصنف وطريقة التصنيع، لا أن نزرع أولاً ثم نبحث عمن يشتري.
إن المملكة تتميز بوجود أكثر من 300 صنف من التمور، تشمل السكري والخلاص والعجوة والخضري والصقعي والصفري وغيرها بحسب المركز الوطني للتمور، كما تتفاوت التمور بين طرية ونصف جافة وجافة، وتؤثر الرطوبة والقوام في حفظها وتصنيعها. وهذا التنوع ثروة، لكنه يحتاج إلى خريطة استخدامات، لا إلى التعامل مع جميع الأصناف بوصفها سلعة واحدة.
وأرى أن نوجّه الدرجات الممتازة إلى أسواق المائدة والهدايا، مع تعزيز تسويق السكري والخضري والصفاوي والعجوة وفق اختبارات المستهلكين، ودراسة التوسع في 'المجدول' إذا تثبت ملاءمته الزراعية وجدواه، مستفيدين من حضوره القوي في الأسواق الأوروبية. أما صناعة التمور فتحتاج أصنافاً ودرجات ذات مردود استخلاص مرتفع، وسهولة نزع النوى، وثبات اللون والنكهة، وتكلفة توريد مناسبة.
ومن المهم ألا تتحول شهرة الصنف إلى قرار استثماري غير محسوب؛ وهنا تجدر الإشارة إلى دراسة علمية أجراها فريق بحثي في جامعة الملك فيصل أظهرت نتائج واعدة لاستخدام الليمون الحساوي ودبس التمر في تطوير مشروبات غذائية وظيفية، بعد أن أظهرت التجارب أن الجمع بين هذين المكونين مع الإينولين يعزز خصائص غذائية وحيوية متعددة في العصائر.
كما أفادت وكالة الأنباء السعودية 'واس' في 18 أكتوبر 2026 من الأحساء، بأن التجارب أظهرت أن إضافة هذه المكونات إلى العصائر تسهم أيضاً في تحسين استقرار بعض المركبات أثناء عمليات التصنيع والتخزين، وهو ما يمنح هذه المنتجات قيمة إضافية على مستوى الجودة والصلاحية.
والصناعات القائمة على التمور أوسع من التعبئة؛ فهي تشمل الدبس والمعجون ومسحوق التمر، وحشوات المخبوزات، والتمور المقطعة، والحلويات وألواح الطاقة، والخل. كما يمكن الاستفادة من النوى في صناعة الزيوت والألياف والأعلاف بعد المعالجة المناسبة. وينبغي التمييز بين المنتجات التجارية القائمة والتطبيقات البحثية التي تحتاج إلى إثبات الجدوى والسلامة قبل التوسع؛ لذلك أدعو وزارة البيئة والمياه والزراعة ووزارة الصناعة والثروة المعدنية بالتنسيق مع المركز الوطني للنخيل والتمور، إلى إعداد برنامج لتصنيع التمور، يربط الإرشاد الزراعي بطلب المصانع والأسواق؛ يبدأ البرنامج بتقييم الأصناف في كل منطقة، وإقامة مراكز مشتركة للفرز والتبريد والفحص، وخطوط تجريبية تساعد المنشآت الصغيرة على تطوير منتجاتها، وتوفير تمويل يرتبط بالابتكار والتصدير وتقليل الفاقد، لا بمجرد زيادة الطاقة الإنتاجية.
ويجب أن تصاحب ذلك منظومة للتتبع وضبط بقايا المبيدات والملوثات، وتوسيع شهادات الجودة التي يطلبها المشترون؛ فدخول الأسواق العالمية لا يعتمد على الطعم وحده، بل على سلامة المنتج وثبات مواصفاته وانتظام توريده. وأقترح أن تُقاس النتائج بحصة المنتجات المصنّعة، ومتوسط قيمة الطن المصدّر، وخفض الفاقد، والعائد الاقتصادي لكل متر مكعب من المياه، مع صون التنوع الوراثي وعدم التوسع الزراعي غير المدروس.
أما القطاع الخاص، فعليه الانتقال من شراء المحصول موسمياً إلى شراكات طويلة الأجل مع المزارعين ومصانع الأغذية العالمية، والاستثمار في الأتمتة والتعبئة والبحث التطبيقي والعلامات التجارية. وأرى أن بناء تحالفات تصديرية وتجميع خدمات صغار المزارعين أجدى من تكرار منشآت متشابهة تتنافس بالسعر وحده؛ فالقيمة الحقيقية تبدأ عندما نصبح مورّدين لمكونات غذائية موثوقة، لا بائعين لمحصول موسمي فحسب.
وإذ أثمّن دعم قيادتنا الرشيدة -حفظها الله- للزراعة والصناعة، فإن مسؤوليتنا كصناعيين ورجال أعمال، تحويل هذا الدعم إلى مشروعات صناعية منتجة تحفظ مواردنا وتنميها وتوفر فرصاً للعمل.










































