اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٤ كانون الثاني ٢٠٢٦
م. هاني الغفيلي
لم تكن التغطية الإعلامية للرياضة حتى وقتٍ قريب تتجاوز حدود الملعب؛ مباراة تُلعب، ونتيجة تُعلن، وتصريحات عابرة بعد صافرة النهاية، يتبعها تحليل فني سريع من هنا وهناك، لذا كان الإعلام الرياضي محصورًا في توصيف ما حدث داخل المستطيل الأخضر، غير أن هذا النموذج لم يعد صالحًا في عالمٍ باتت فيه الرياضة لغة دولية، وأداة تأثير ناعم، وساحة تنافس تتجاوز حدود النتائج والألقاب.
الرياضة ليست حدثًا يُغطّى، بل رسالة تُصاغ، وصورة تُدار، وقوة ناعمة تُوظَّف بعناية. ومع التحولات التي شهدتها المملكة العربية السعودية في استضافة البطولات والأحداث الرياضية العالمية، واستقطاب النجوم الدوليين إلى دوريها، اتسعت دائرة الإعلام الرياضي لتشمل صورة البلد، وقدرته التنظيمية، وحيوية مجتمعه، وجاذبية بيئته، وطموحه المستقبلي، وفي هذا السياق، لم يعد السؤال: ماذا حدث في المباراة؟ بل: ماذا قالت هذه المباراة عن السعودية للعالم؟
هذا التحول انعكس بوضوح على المشهد الإعلامي المصاحب للدوري السعودي؛ فمع حضور أسماء عالمية بارزة، ارتفعت المتابعة الدولية، واتسع نطاق التغطيات، وتحول الدوري من منتج محلي إلى محتوى عابر للحدود، ومع أن الإحصاءات المحلية الدقيقة لعدد المتابعين الدوليين غير منشورة رسميًا، فإن النمو في التغطية الرقمية يشير إلى تزايد الاهتمام الإعلامي خارج السعودية، ما يعكس اتساع دائرة تأثير الرياضة السعودية على الجمهور العالمي.
وهنا تتجلى الرياضة كسلاح ناعم؛ فالمباراة لم تعد تسعين دقيقة، بل نافذة تُطل منها الجماهير العالمية على المدينة المضيفة، ومدى جودة التنظيم، وتجربة المشجع، والمشهد الاجتماعي المحيط به؛ فالإعلام هو الذي ينقل هذه التفاصيل، وهو الذي يحولها من لحظات عابرة إلى انطباعات راسخة، وكل لقطة في المدرجات، وكل تقرير خلف الكواليس، وكل قصة إنسانية تُروى عن لاعب أو مشجع، تسهم في تشكيل صورة ذهنية تتجاوز الرياضة ذاتها إلى سردية وطن بالكامل.
وتتعاظم أهمية هذا الدور مع استضافة المملكة المتزايدة للأحداث الرياضية الدولية، وصولًا إلى الاستحقاق الأكبر «كأس العالم 2034» ومرورًا بجميع الفاعليات والبطولات التي استضافتها المملكة في السنوات الماضية، من سباقات الفورمولا وبطولات الملاكمة والتنس إلى بطولات السوبر الأوروبي؛ كل هذا وذاك يعكس رؤية أوسع لرياضة تُستخدم كجسر للتواصل والتفاعل مع المجتمع الدولي على نطاق واسع.
وعند الحديث عن التأثير الإعلامي العالمي، فإن البيانات الدولية توضح حجم الجمهور الذي ينهال على الأحداث الكبرى؛ تُشير تقارير فيفا إلى أن نهائي كأس العالم 2022 بين فرنسا والأرجنتين تابعته نحو 1.42 مليار مشاهد، وهو أعلى رقم في تاريخ النهائيات، بينما متوسط جمهور المباراة الواحدة وصل إلى نحو 175 مليون متابع عالميًا، بما يشمل التلفزيون والمنصات الرقمية. هذه الأرقام توضح أن كرة القدم كحدث إعلامي عالمي تمتلك قدرة استثنائية على جذب انتباه البشرية بأكملها، وأن أي دولة تستضيف حدثًا بهذا الحجم تدخل مباشرة إلى مخيلة العالم وتصبح موضوع حديث وحوار يتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية.
ولا يختلف تأثير الرياضة في السياسة والثقافة عن هذا، فقد أشارت الدراسات إلى أن الرياضة أصبحت من أهم الأدوات المؤثرة في السياسات والعلاقات الدولية، وأنها لم تعد مجرد نشاط بدني أو ترفيه، بل منصة تُستخدم لتعزيز الصورة الوطنية وإقامة الروابط بين الدول.
ما الذي تغيّر إذن؟ الرياضة السعودية لم تعد تُستهلك محليًا فقط، بل تُقدَّم عالميًا بوصفها منتجًا يحمل هوية وطن، والإعلام الرياضي لم يعد توصيفًا لنتيجة، بل إدارة لصورة، وتخطيطًا لاستراتيجية تواصل طويلة المدى؛ وتغيّر أن النجوم العالميين لم يعودوا إضافة فنية فقط، بل أصبحوا سفراء غير رسميين لما تقدمه السعودية من بيئة منافسة جذابة.
لذا الرياضة والإعلام معًا كأحد أهم أدوات القوة الناعمة للمملكة؛ قوة لا تُقاس بما يُسجَّل في الشباك فقط، بل بما يُرسَّخ في الوعي العالمي عن السعودية اليوم.. وغدًا.










































