اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١١ كانون الثاني ٢٠٢٦
د. مشاري النعيم
محاولة بناء مقياس لفهم الحالات المختلفة التي يمكن أن نقيس من خلالها قدرة المكان على خلق 'حالة انتماء' محددة في زمن محدد نابع من كون الانتماء حالة تحتاج إلى محفزات باستمرار حتى تستيقظ، ولكن ليس بالضرورة أن تكون تلك المحفزات مادية/ بصرية، فقد يكون المكان متخيلاً مثل 'المدينة الفاضلة'..
محاولة فهم «الانتماء» تقودنا في كثير من الأحيان إلى التفكير في الأدوات المادية والمجازية التي يمكن أن تصنع مرجعا للانتماء، يجب أن نفرّق هنا بين «الانتماء» و»الرابطة المكانية»، كون الانتماء ليس بالضرورة أن يتشكل نتيجة لوجود مكان محدد، بل هو في الأساس «فكرة» مُختمرة في الذهن إذا حدث ما يحركها تبدأ بالعمل على درجات متفاوتة، بينما الرابطة المكانية تتطلب الوجود المادي للمكان، وليس بالضرورة أن يكون مرتبطا بالعمارة، لكن المكان في حد ذاته قد يكون كافيا كي يحرك المشاعر ويخلق الرابطة المكانية. لقد دفعنا هذا التصور إلى طرح سؤال منهجي/ فلسفي فهل يمكن وضع مقياس نقيس به حالات الانتماء المختلفة؟ كونه حالة شعورية يصعب قياسها أو تحديد ماهيتها، فإذا ما اعتبرنا المكان بحضوره المادي والمجازي يمكن أن يصنع هذه الحالة فكيف يمكننا تتبعها؟ يبدو أن هذا السؤال كان محرضا إيجابيا للغوص في مصطلح «الانتماء»، فوصلنا إلى أن كل انتماء إما أن يكون لشيء مادي أو ثقافي (غير مادي) كما وجدنا أن هناك انتماء دائما وآخر مؤقتا، وعند محاولة إيجاد علاقة بين هذه الأركان الأساسية للانتماء أنتهينا إلى أربعة مفاهيم يمكن أن نقول عنها إنها أنواع الانتماء الأربعة التي يصعب الخروج عنها كون كل واحد منها يمثل مظلة فلسفية واسعة تندرج تحتها كثير من التفاصيل.
يعتبر «الانتماء المادي المؤقت» أقل أنواع الانتماءات تأثيرا على المدى الطويل، فهو انتماء مرتبط بالحالة النفسية المؤقتة التي يعيشها الإنسان ودرجة تأثره بما يشاهده، وغالبا لا تبقى المشاهدة فترة طويلة ولا تصنع «الرابطة المكانية»، إنها حالة مادية مؤقتة وتخلق انتماء لحظيا، وهذا يجعلنا نعود إلى مسألة «الجوهر»، أو النواة الإبداعية التي ترتبط ببعض الامكنة كونها قادرة على خلق درجات متفاوتة من القوة المؤثرة في الذاكرة والوجدان لدى الناس. وعندما ننتقل إلى حالة «الانتماء المادي الدائم» سوف نجد أنه يمكننا الحديث عن حالتين للمكان، الأولى هي «المكان التجريدي»، وهنا يصبح المكان كونيا غير جغرافيا متعدد الأطياف في أذهان الناس ويختلف باختلاف السياقات الزمنية والثقافية، الحالة الثانية هي «المكان الجغرافي» الذي يحدد أمكنة محددة على وجه الأرض وهذا الوجود يتشكل معماريا أحيانا وطبيعيا أحيانا كثيرة، يتمثل بصريا وفراغيا، كحالة وجودية تعبّر عن هوية واضحة، وهذه الحالة المادية الوجودية رغم أهميتها، فهي التي تخلق العمارة التي نتحدث عنها، إلا أنها في الواقع لا تخلق الانتماء المادي الدائم بشكل مباشر، إذا أن بعض الأمكنة عادة ما تتجاوز حالتها الوجودية المادية إلى حالتها الوجودية التجريدية المرتبطة في ذهن الناس، الانتماءان المادي المؤقت والدائم يتطلبان حضور العمارة، سواء بمكان جغرافي معلوم، أو بمكانها التجريدي وصوره المُتخيّلة.
الحالة الثالثة للانتماء هي «الانتماء الثقافي المؤقت»، ومن الواضح أنها تشير إلى الحالة غير المادية هنا، مثل الانتماء للأمة كفكرة تتجاوز الجغرافيا وحدود الأمكنة، أو العرق الذي يطبع جغرافيا ما بطابعه، لذلك يمكن أن نقول إنه انتماء يُنسج مع فكرة الأمة أو العرق ويستطيع أن يُعبّر عنها، لكن الايمان بفكرة الأمة هو إيمان وانتماء دائم، وليس مؤقتا، إذا كيف يكون انتماء ثقافيا مؤقتا؟ يبدو أن الفكرة غير واضحة تماما، لكن عندما قمنا بربطها بنظرية «التراث الموازي»، خصوصا مع مبدأ الثبات المؤقت، وجدنا أن فكرة الانتماء الثقافي المؤقت يمكن أن يُعبّر عنها «المدار الفكري» Paradigm الراهن، الذي يشكل الانتماء الثقافي المؤقت في فترة زمنية محددة، وغالبا ما يواجه هذا النوع من الانتماء تحول Paradigm Shift بعد فترة قصيرة أو متوسطة لنتيجة لتغيير الأفكار التي تحدد ماهية الانتماء المؤقت، يجب أن نقول إن الانتماء الثقافي ينعكس بشكل مباشر على الشكل المادي للمكان، لكنه لا يُثبّت الشكل بل هو تأثير ديناميكي متغير عبر الزمن.
يبدو أننا بلغنا إلى قمة هرم الانتماء، وهو «الانتماء الثقافي الدائم» الذي ربما يراه البعض يمثل «العقيدة» أو «الإيمان»، أي الاتفاق على مبادئ محددة والإيمان بها والدفاع عنها، أنه إيمان يمثل فكرة «ترابط المجموعات البشرية» واتفاقها على هدف ومصير مشترك، يمكن هنا أن نعيد تعريف «كافة للناس»، كما وردت في القرآن الكريم، على أنها فكرة تخلق الانتماء الثقافي الدائم، ومن الواضح أنها فكرة تواجه تحديات كبيرة، أهمها الانتماءات الثقافية الفئوية المحلية، التي تجعل من فكرة انتماء البشرية إلى فكرة واحدة أشبه بالمستحيلات، في اعتقادنا أنه لا يوجد أي تناقض هنا بين فكرة «كافة للناس» وأن البشرية لن تتفق على عقيدة واحدة، فالدعوة قائمة والطريق موجود، لكن على كل إنسان أن يختار، يبدو لنا أن هذا يُفسر كذلك فكرة ما «يُقاس» وما لا يمكن أن «يُقاس»، فكل ما ينتج عن الانتماء المادي الدائم من أفكار وصور يمكن قياسها، لكن قياس الانتماء الثقافي يصل إلى درجة الاستحالة، لأنه يظل خيارا فرديا، وعقيدة تتطور مع تطور الفرد نفسه.
يفترض أن نرى علاقة الإنسان بالمكان ضمن حالات الانتماء هذه التي يمكن أن تمثل مقياسا مهما للتحولات التي مرت وتمر بها هذه العلاقة، يمكن وضع حالات الانتماء على شكل هرم مقلوب تكون قاعدته في الأعلى وتمثل «الانتماء الثقافي الدائم» ثم يأتي بعد ذلك «الانتماء الثقافي المؤقت» ثم «الانتماء المادي الدائم» وفي رأس الهرم المقلوب يأتي «الانتماء المادي المؤقت»، تمثل قاعدة الهرم، فكرة «كافة للناس» وتعكس مفهوم قول الله تعالى في سورة الحجرات «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)»بينما يمثل رأس الهرم الصورة المادية الفئوية المرتبطة بالمكان التي تعبر عن الانتماءات المحلية المؤقتة، محاولة بناء مقياس لفهم الحالات المختلفة التي يمكن أن نقيس من خلالها قدرة المكان على خلق «حالة انتماء» محددة في زمن محدد نابع من كون الانتماء حالة تحتاج إلى محفزات باستمرار حتى تستيقظ، ولكن ليس بالضرورة أن تكون تلك المحفزات مادية/ بصرية، فقد يكون المكان متخيلا مثل «المدينة الفاضلة».










































