اخبار الاردن
موقع كل يوم -صحيفة السوسنة الأردنية
نشر بتاريخ: ١ نيسان ٢٠٢٦
سألت المتحدثة باسم البيت الأبيض عمّن سيدفع تكاليف الحرب الحالية ضد إيران، وعمّا إذا كانت الدول العربية يمكن أن تساهم فيها، فأجابت بأن الرئيس ترامب مهتم جدا بدعوتهم للقيام بذلك!!
لا أحد حاليا باستطاعته الجزم ما إذا كانت إجابة كارولين ليفيت جاءت هكذا عفوية دون تفكير مسبق، أو أنها مرتّبة بعناية بحيث تأتي في شكل رسالة إلى الدول العربية الغنية لعلّها تتحسّس جيوبها من الآن استعدادا لطلب أمريكي في هذا الشأن.
هذا التساؤل يعود في أحد أوجهه أن المتحدثة الشابة التي لم تصل بعد إلى الثلاثين من العمر وجدت نفسها في هذا المنصب الهام دون تجربة سياسية سابقة مهما كانت محدودة، فقد جاءت هي الأخرى من عالم التقديم التلفزيوني معتبرة أن الأهم هو الطلة الجميلة والقدرة على الحديث، دون أن يكون لما تقوله وجاهة بالضرورة أو عمق سياسي. وطالما هي لا تمل في تصريحاتها من ذكر اسم رئيسها بين كل جملة وأخرى، شأن أغلب المسؤولين الأمريكيين الحاليين كأي بلد متخلف في هذا العالم، فلا خشية على منصبها الذي وهبه لها مزاج ترامب ليس إلا.
أما إذا أخذنا كلامها بجدية، فإننا أمام سابقة كارثية حقيقية تتمثل في أن ترامب الذي لم يتردد من قبل في ابتزاز الدول العربية الخليجية، تحت عنوان استثمارات ضخمة في بلاده ومشتريات مختلفة عسكرية وغيرها، لم يعد يكتفي بذلك بل ها هو يريدها أن تتحمّل جزءا من أعباء حرب غير قانونية أعلنها منفردا دون استشارتهم وهم من سعوا قدر جهدهم حتى اللحظة الأخيرة من أجل ثنيه على شنّها. وإن كان الأمر فعلا كذلك فنحن أمام مشهد يسعى فيه ترامب إلى جعل تكلفة المليار دولار يوميا لهذه الحرب “جمعية” يشارك فيها معه آخرون وكأنها أتاوة على عدم التورط المباشر فيها.
إنها حرب ترامب الشخصية وعليه أن يتدبّر تغطية مصاريفها بأي طريقة بعد أن تصاعد تذمّر الأمريكيين من انعكاساتها عليهم في تكاليف حياتهم اليومية ومن الأسلوب الفردي المتعجرف في إدارة شؤون البلاد، كما تجلّى ذلك في المظاهرات الشعبية الضخمة الأخيرة في مدن أمريكية عدة تحت شعار “لا للملوك” التي وجدت في الحرب الحالية ما زاد في اتساع هذه الحركة الغاضبة التي انطلقت العام الماضي.
إنها حرب ترامب الشخصية يمضي فيها مع نتنياهو محروما من أي دعم داخلي أو خارجي حيث لم يقف أمامه معارضوه من الحزب الديمقراطي فقط، بل كل من كان له رأي رصين ومسنود حول الجدوى الحقيقية من كل هذا الدمار الذي ينذر أن يدخل المنطقة كلها في سلسلة كوارث لا تتوقف. يكفي هنا أن نشير أن 5 في المئة فقط من الخبراء الأمريكيين في منطقة الشرق الأوسط أيدوا هذه الحرب قبل شنّها وأن 1 في المئة فقط رأوا أنها يمكن أن تقود إلى تغيير ديمقراطي في إيران، وفق ما ذكرته مجلة “فورين أفيرز” الأمريكية.
إنها حربه الشخصية، الذي اتضح أنه كان يضمرها منذ أمد بعيد، فحتى دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) التي عادة ما تقف آليا، في معظمها، مع واشنطن في قراراتها الكبرى اضطرت الواحدة تلو الأخرى إلى النأي بنفسها عن هذه المغامرة المتهوّرة المفتقرة للقانونية والجدوى في آن واحد، وإن لم تصل المواقف كلها إلى نفس الوضوح والصرامة التي أبدتها إسبانيا أو حتى ألمانيا. وحتى الدول الصناعية السبع الكبرى “لم تقدّم دعما صريحا لهذه الحرب” وفق ما قاله متأسّفا وزير الخارجية الأمريكي في أعقاب الاجتماع الأخير لهذه المجموعة في فرنسا، وكل ما سبق أثار حفيظة ترامب الذي رد على هؤلاء جميعا بسلسلة من الإهانات والشتائم غير المعهودة في عالم السياسة والعلاقة بين الحلفاء.
وإذا ما تركنا جانبا ما يشار من شبهات فساد في مضاربات بورصة الطاقة العالمية مع كل تحذير أو مهلة يطلقها ترامب خلال هذه الحرب، وآخرها هذه التي تنتهي في السادس من هذا الشهر، فإن ما تضمنته تدوينات الرئيس الأمريكي على منصته الخاصة “تروث سوشال” تعد دلائل ثابتة على نية ارتكاب جرائم حرب كاملة الأوصاف، يمكن أن يحاسب عليها لاحقا، وذلك حين يقول إنه إذا “لم يتم التوصل إلى اتفاق قريبا مع إيران لأي سبب ولم يفتح مضيق هرمز” فسيقوم بـ”تفجير جميع محطات توليد الكهرباء وآبار النفط في إيران وجزيرة خارك ومحوها تماما”، كما أنه هدّد بمهاجمة محطات تحلية المياه في إيران رغم معرفته مسبقا بما حذّرت منه إيران من ردود كارثية رهيبة لكل دول المنطقة إن هو أقدم على ذلك.
نداءات الاستغاثة التي أطلقها ترامب بخصوص مضيق هرمز، وضرورة اصطحاب السفن المارة منه، لم تجد نفعا هي الأخرى فلا أحد متحمسا لدخول مغامرة من هذا القبيل خاصة مع تجربة فاشلة مماثلة في عهد الرئيس ريغان قبل أربعين عاما خلال الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988).
إنها حرب ترامب الشخصية أطلقها برعونة مع مجرم الحرب نتنياهو، ومن أشعل النيران يطفئها.
٭ كاتب وإعلامي تونسي












































