اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٣ كانون الثاني ٢٠٢٦
الرياض - رؤى مصطفى
فقدت الساحة الثقافية السعودية مؤخرًا القاص والروائي والأديب حسين علي حسين، أحد الأسماء المؤسسة في مسار القصة القصيرة والرواية السعودية، وواحدًا من الكتاب الذين اشتغلوا على السرد بوصفه فعل وعي هادئ، لا يراهن على الصخب بقدر ما يراهن على التراكم، والإنصات العميق للإنسان وتحولاته النفسية والاجتماعية. تجربة امتدت منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي وحتى العقد الثاني من الألفية الجديدة، كُتبت لغتها بهدوء، لكنها استقرت عميقًا في الذاكرة الثقافية السعودية.= وُلد الراحل في المدينة المنورة عام 1949م، وفيها تشكلت ملامح وعيه الأولى، قبل أن ينتقل إلى الرياض بعد حصوله على دبلوم في المساحة، ليعمل في أمانة مدينة الرياض، ثم ينفتح لاحقًا على عالم الصحافة والمطبوعات والنشر. واستمر في عمله الحكومي حتى عام 1419هـ (1998م)، حين قرر التفرغ للكتابة، في مسار تداخل فيه الوظيفي بالإبداعي، دون أن يفقد أحدهما حساسيته أو أثره.
بدأ حسين علي حسين مشروعه الأدبي بالقصة القصيرة منذ مجموعته المبكرة «الرحيل» في نهاية سبعينيات القرن الماضي، وظل وفيًا لهذا الفن الذي كان يراه الأقدر على التقاط القلق الإنساني واللحظات الهشة، قبل أن يتجه لاحقًا إلى الرواية بوصفها فضاءً أوسع لمساءلة المكان والذاكرة والهوية. وتميزت كتابته بلغة شفيفة، وبناء كلاسيكي رصين، ودلالات تتراكم بهدوء، فيما يمكن وصفه بـ«الأصالة المعاصرة». ويُعد الراحل من الجيل المؤسس لفن القصة القصيرة في المملكة، إلى جانب نخبة من الرواد، من بينهم الراحلان جبير المليحان وعبدالعزيز مشري رحمهما الله، حيث أسهموا معًا في ترسيخ ملامح القصة السعودية الحديثة، والاقتراب من الهامش الاجتماعي بوصفه مساحة كاشفة للتحولات الكبرى. شكلت الصحافة رافدًا مهمًا في تجربة حسين علي حسين، إذ عمل في جريدة الرياض، وتولى رئاسة التحرير التنفيذي للفترة المسائية بعد صدور الطبعة الأولى. وفي حديث له لبرنامج الصنوان بالقناة السعودية، أشار إلى أن عمله في الشؤون الداخلية والمحليات أتاح له معرفة عميقة بالمجتمع والناس، وأسهم في صقل أدواته السردية، ومنحه وعيًا بالزمن والتفاصيل، وانعكس ذلك بوضوح في عالمه القصصي والروائي.
وفي قراءة نقدية لتجربته، يرى الدكتور عبدالعزيز بن محمد السبيل أن القصة القصيرة كانت الفضاء الإبداعي الأقرب إلى حسين علي حسين، لقدرتها على التكثيف ومقاربة القضايا الإنسانية دون تشعب. ويؤكد أن كتابته كانت تنطلق من لحظة خاطفة، تشبه «لوحة البرق»، تتشكل خلالها القصة تدريجيًا، وتتمدد دلالاتها مع كل إعادة كتابة، دون تخطيط مسبق، بل بوعي يتكون أثناء الفعل السردي نفسه. ويتوقف عند مجموعته «طابور المياه الحديدية» بوصفها من النماذج اللافتة في القصة العربية الحديثة، لما تحمله من توظيف للمعتقد الشعبي وبناء قصصي ناضج بنكهة محلية. ويقول الروائي والصحفي فهد العتيق إن حسين علي حسين كان من أنقى الناس مشاعر، وأصدقهم إنسانية، مشيرًا إلى أنه تزامل معه سنوات طويلة في جريدة الرياض، وعملوا في عدة أقسام، وكانوا ينشرون قصصهم وكتاباتهم الأدبية في الملحق الأدبي الذي كان يشرف عليه الكاتب الراحل محمد علوان.
ويضيف العتيق أن الراحل تميز بشخصيته الأدبية والإنسانية والأخلاقية الرفيعة، وكان يحترم جميع زملائه دون تدخل في شؤونهم، ويفرح بإنجازاتهم، مكتفيًا بذاته وبعمله وحياته الخاصة، التي كانت في حد ذاتها أدبًا رفيعًا، حكاه بأسلوبه المبدع، خاصة تجربته في الانتقال من المدينة المنورة إلى الرياض، في مرحلة كانت العاصمة تنمو فيها بهدوء نحو مستقبلها الثقافي.
وفي شهادة توثيقية، يؤكد الدكتور عبدالله الحيدري، رئيس مجلس إدارة النادي الأدبي بالرياض سابقًا، أن حسين علي حسين حمل القلم لأكثر من ستين عامًا، أثرى خلالها الصحافة السعودية بمقالاته وقصصه وحواراته، ثم أثرى المكتبة السعودية بعدد من الأعمال الأدبية في القصة القصيرة والرواية، دون أن يلتفت إلى جمع مقالاته رغم أنها تشكل مشروع كتب متكامل.
ويشير الحيدري إلى عضويته في مجلس إدارة النادي الأدبي بالرياض لأكثر من أربع سنوات، ومواظبته على حضور فعالياته، كما استذكر تكريمه عام 1436هـ / 2015م بحضور الناقد الدكتور يوسف نوفل، لافتًا إلى أن تجربته حظيت باهتمام أكاديمي تمثل في رسالتين جامعيتين للماجستير في جامعتي الملك عبدالعزيز وجازان.
وعلى المستوى الإنساني، يستعيد الشاعر خالد قماش صورة الراحل بوصفه كاتبًا هادئًا، ينتمي إلى السرد الكلاسيكي الرصين، بلغة شفيفة ودلالات عميقة، متمسكًا بما يمكن تسميته «الأصالة المعاصرة». ويصف لقاءه الأول به في أحد مقاهي الرياض، برفقة الأديب محمد المنصور الشقحا، بوصفه لقاءً دافئًا امتلأ بحوارات ثقافية وذكريات حميمة حول تكنيك القصة القصيرة وذاكرة المكان، مؤكدًا أن حسين علي حسين كان منصتًا أكثر مما يتكلم، ومؤمنًا بأن الكتابة فعل إصغاء قبل أن تكون فعل قول.
ويستحضر مدير تحرير الشؤون الثقافية في جريدة الرياض الزميل عبدالله الحسني جانبًا آخر من تجربة حسين علي حسين، متوقفًا عند أثر الصحافة في تشكيل وعيه السردي والمهني، مؤكدًا أن الراحل كان من الرواد البارزين في السرد بفنونه المتنوعة، وكاتبًا اختط لنفسه أسلوبًا خاصًا يجمع بين البساطة الآسرة والسلاسة العميقة، ويقود القارئ إلى عوالم مشبعة بروح المكان ودفئه الإنساني.
ويشير الحسني إلى أن تجربة العمل الصحفي عمّقت أدوات حسين علي حسين، وصقلت لغته، ومنحته حسًا مهنيًا عاليًا، انعكس في نصوص مشغولة بحرفية وعناية واضحة بالتفاصيل. فقد عمل سنوات طويلة في صحيفة «الرياض» ضمن قسم المحليات، وتقلّد خلالها مواقع متعددة، وتولى مهاما إشرافية، من بينها الإشراف على العدد في مناوباته الليلية، قبل أن يواصل حضوره عبر زاويته الأسبوعية «مركاز» في صفحة «حروف وأفكار» خلال الفترة من 2017 حتى 2021.
ويؤكد الحسني أن العلاقة المهنية التي جمعته بالراحل تجاوزت حدود العمل إلى صداقة إنسانية راقية، حيث كان حسين حريصًا على متابعة مقالاته، ومناقشة تفاصيل نشرها بمحبة وود، مؤمنًا بأن الكتابة فعل مشاركة وعطاء قبل أن تكون متعة فكرية. ويصفه بأنه دمث الأخلاق، خفيف الروح، حاضر الدعابة، قريب من القلب، ويحمل قناعة راسخة بأن الكلمة مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون إنجازًا شخصيًا.
ويختتم الحسني شهادته باستعادة آخر لقاء جمعه بالراحل، إلى جانب الشاعر الرائد سعد الحميدين، مدير التحرير الأسبق للشؤون الثقافية في صحيفة «الرياض»، معتبرًا تلك اللحظات شاهدًا على جيل منح الثقافة عمره، وصنع صداقات متينة نسجتها الكلمة وظلها الإنساني، قبل أن يترجل أحد رموزه بهدوء يليق بسيرته.
أصدر الراحل عددًا من المجموعات القصصية التي رسخت حضوره في المشهد الثقافي، من بينها: «الرحيل»، «ترنيمة الرجل المطارد»، «طابور المياه الحديدية»، «كبير المقام»، «رائحة المدينة»، «المقهى»، «مزيكا»، كما قدّم في الرواية أعمالًا بارزة، من أبرزها (حافة اليمامة) و(وجوه الحوش) التي وصلت إلى القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد للكتاب عام 2022، وفازت لاحقًا ضمن مشروع تحويل الرواية السعودية إلى سيناريو سينمائي الذي رعته جمعية الأدب المهنية عام 2025م. برحيل حسين علي حسين، يخسر المشهد الثقافي السعودي كاتبًا آمن بالكتابة بوصفها فعل وعي ومسؤولية أخلاقية، وترك إرثًا سرديًا كُتب بهدوء، لكنه ظل حاضرًا، شاهدًا على تجربة انحازت للإنسان، وللأسئلة المفتوحة التي لا يُفقدها الزمن معناها.










































