اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٥ أذار ٢٠٢٦
أ.د. حمزة بن سليمان الطيار
من الاغتباط بالوطن الثقة بولاة الأمر، والقناعة بما يقررونه من المصالح والأنظمة، والوقوف عند الضوابط التي يضعونها للأمور، وعدم مخالفتهم في شيءٍ من ذلك، وألا يفتات عليهم في الحديث عن الشأن العامّ، لا سيّما في شأن الأمن وما يتعلق بالمصالح العليا؛ فإن تَسَوُّرَ عامة الناس على هذه المواضيع يضرُّ بالأمن، ويزرع الرعب والقلق في النفوس..
مِنحُ الله تعالى لعباده كثيرةٌ لا يأتي عليها الإحصاءُ، وواجبٌ على المسلم أن يُديم شكرَها والعرفانَ بها، وأن يُدركَ عظمةَ ما أنعمَ الله تعالى به عليه، وأن يسعى في حفظ تلك النعمة واستدامتها وزيادتها، ونعمةُ الوطن الآمن المستقرِّ من المواهب الكلية التي تندرج تحتها مواهبُ جزئيّةٌ لا تُحصى؛ إذ جريان أمور الدين والدنيا على طريق السداد متوقفٌ على الأمن والاستقرار، وحيثما غاب الأمن هدّدت الضروريات الكبرى، وهي حفظ الدين والأنفس والعقول والأموال والأعراض، وقد رزقنا الله تعالى هذا الوطن المبارك المملكة العربية السعودية الذي يتمتع من الخصائص التاريخية والدينية بما لا يوازيه فيه غيره من الأوطان، وهيّأ لنا فيه من أسباب العزِّ والطمأنينة والكرامة ما لا تُخطئه العين، وولّى علينا قيادةً كريمةً أصيلةً نراها على قدر المسؤولية في أي مرحلة من مراحل هذه الدولة، ولا شكَّ أن هذه نعمٌ عظيمةٌ يجب علينا أن تكونَ ماثلةً في ذهن كلِّ فردٍ منّا، وأن نبذل جميع الجهود الممكنة في سبيل إعزاز الوطن وحفظ مقدَّراتِه ومكتسباته، والغيرةِ عليه، والدفاع عنه وعن قيادتِه وقيمِه، وأن يقفَ كلُّ واحد منّا في الثغر الذي يسعُه الوقوفُ فيه حتى لا يؤتَى الوطنُ من قِبَلِه، وألا نستكثر شيئأً بذلناه في سبيل إعزاز هذا الوطن، وأن نكون مغتبطين بهذه المنحةِ الإلهية، ولي مع الاغتباط بالوطن وقفاتٌ:
الأولى: أولى خطوات الاغتباط بهذا الوطن المبارك الفرحُ بما حبا اللهُ تعالى به هذا المجتمعَ من صفاء المعتقد، والوسطية والاعتدال ونبذ التحزبات، والابتعاد عن البدع والمحدثات الدينيّة، وإعلاءِ القيم العربية الأصيلة، وهذه الخصائص السامية من أسباب التمكين والاستقرار كما قال تعالى: 'وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا منْكُمْ وَعَملُوا الصَّالحات لَيَسْتَخْلفَنَّهُمْ في الْأَرْض كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذينَ منْ قَبْلهمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دينَهُمُ الَّذي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ منْ بَعْد خَوْفهمْ أَمْناً يَعْبُدُونَني لا يُشْركُونَ بي شَيْئاً'، ثم استذكارُ ما يمثّله الوطنُ الآمن من منحة جلية، وهذا الاستذكارُ عبادةٌ قلبيّةٌ يُداومُ عليها كلٌّ منّا، فهو لا يفتح عينيه إلا رأى أثراً من بركةِ الوطن، فمن اللائق أن يتعوّدَ على أن يواكبَ ذلك باستحضار أنَّ هذا من نعم الله تعالى، وهذا مأمورٌ به في قوله تعالى: 'وَاذْكُرُوا إذْ أَنْتُمْ قَليلٌ مُسْتَضْعَفُونَ في الْأَرْض تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بنَصْره وَرَزَقَكُمْ منَ الطَّيِّبات لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ'، ويلي هذا التذكرَ الاعترافُ بهذه النعمةِ بإرجاع الفضل فيها إلى اللهِ تعالى كلّما تحدثنا عنها، فالاعتراف لله تعالى بأنّه المنعم دأب الشاكرين من الأنبياء -عليهم السلام- وأتباعهم، فهذا نبي الله سليمانُ عليه السلامُ لما أُحضرَ له عرشُ ملكة سبأ قال: 'هَذَا منْ فَضْل رَبِّي ليَبْلُوَني أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لنَفسه وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنيٌّ كَريمٌ'، وبالمقابل لمّا كابرَ قارونُ ورفض الاعترافَ أنَّ ما مُنحَه إنما هو رزقٌ ساقه الله إليه، وقال لمن ذكّرَه بذلك: 'إنَّما أُوتيتُهُ عَلى علْمٍ عنْدي' كان ذلك سبباً في زوال نعمة الله تعالى عنه، وحلول نقمته عليه.
الثَّانية: من ضروريات الاغتباط بالوطن الإخلاصُ لولاة الأمر، وبذل واجب السمع والطاعة لهم، وهذان ركنان للاستقرار لا يمكن أن تتحقَّقَ محبّةُ الوطن مع الإخلال بشيءٍ منها، أما الإخلاص لولاة الأمر فتواطؤ الظاهر والباطن على الوقوف معهم، وهذا هو النصح المنوَّه به في حديثِ تَميمٍ الدَّاريِّ رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 'إنَّ الدِّينَ النَصيحَةُ، إنَّ الدِّينَ النَّصيحَةُ، إنَّ الدِّينَ النَّصيحَةُ قَالُوا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لله وَلكتَابه وَلرَسُوله وَأَئمَّة المُسْلمِينَ وَعَامَّتهمْ'، أخرجه مسلمٌ، قال بعض أهل العلم: (والنصيحة لأئمة المسلمين: إعانتهم عَلى ما حُمِّلوا القيام به، وتنبيههم عند الغفلة، وسد خَلَّتهم عند الهفوة، وجمع الكلمة عليهم، ورد القلوب النافرة إليهم)، وأمّا بذل السمع والطاعة لهم فإنَّه ركيزة الأمن والاستقرار؛ إذ هو -بإذن الله- صمام الأمن من الفوضى؛ ولهذا كثرت النصوص الموجبةُ له في الوحيين.
الثالثة: من الاغتباط بالوطن الثقةُ بولاة الأمر، والقناعة بما يقررونه من المصالح والأنظمة، والوقوف عند الضوابط التي يضعونها للأمور، وعدم مخالفتهم في شيءٍ من ذلك، وألا يفتات عليهم في الحديث عن الشأن العامِّ، لا سيّما في شأن الأمن وما يتعلقُ بالمصالح العليا؛ فإن تَسَوُّرَ عامة الناس على هذه المواضيع يضرُّ بالأمن، ويزرع الرعب والقلق في النفوسِ، ولها آثارٌ سلبيّةٌ كثيرةٌ؛ ولهذا ذمَّ الله تعالى المنافقين بوقوعهم فيه، فقال تعالى: 'وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ منَ الْأَمْن أو الْخَوْف أَذاعُوا به وَلَوْ رَدُّوهُ إلَى الرَّسُول وَإلى أُولي الْأَمْر منْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبطُونَهُ منْهُمْ)، وهذا التسوُّر يُعدُّ إشكالاً كبيراً لو حصلَ في مجلس يضمُّ عدداً محدوداً من الناس، فما بالكمُ إذا حصل في وسائل التواصل الاجتماعيِّ؟!










































