اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٢ أيار ٢٠٢٦
سامي بن أحمد الجاسم
من أخطر التحولات التي أصابت المشهد الثقافي اليوم أن كل شيء أصبح مؤقتًا، الكتاب، الفكرة، الضجة، وحتى الإعجاب نفسه...
قديمًا كانت بعض الكتب تُقرأ لعقود، وتعيش بين الأجيال كأنها كائن حي.
أما اليوم فكثير من الأعمال تُولد وتموت في الأسبوع ذاته، ضجة سريعة، اقتباسات منتشرة، صور، لقاءات، ثم اختفاء كامل وكأن العمل لم يكن موجودًا أصلًا. لم تعد المشكلة في قلة الإنتاج، بل في سرعة النسيان والتعاقب المتتالي والفكرة المكررة والبحث عن الإثارة.
نحن نعيش زمنًا تُستهلك فيه الثقافة كما تُستهلك المقاطع القصيرة، شيء جديد كل يوم، دون وقت كافٍ للتأمل أو الفهم أو حتى التذكر، لهذا أصبح كثير من الكُتاب يشعرون بأن عليهم ملاحقة السوق الثقافي لا بناء مشروع طويل ينشر بسرعة، يتحدث بسرعة، ينتقل من فكرة لأخرى بسرعة، خوفًا من أن يختفي اسمه من المشهد للحظة.
لكن الثقافة الحقيقية لا تُبنى بهذه العجلة، الفكرة العميقة تحتاج وقتًا حتى تستقر داخل الناس، والكتاب الحقيقي غالبًا لا يلمع فورًا، بل يكبر ببطء داخل الوعي!، لكن من المؤلم أن بعض الأعمال اليوم تُصنع وفق منطق القابلية للانتشار لا القابلية للبقاء.
كيف نصنع جملة قابلة للاقتباس؟
كيف نثير الجدل؟
كيف نحصل على تداول أكبر؟
بينما السؤال الأهم يغيب تمامًا: هل سيبقى هذا العمل حيًا بعد سنوات؟
الذاكرة الثقافية القصيرة لم تُغيّر شكل التلقي فقط، بل غيّرت شكل الإنتاج نفسه، أصبح بعض الكُتاب يكتبون وهم يفكرون في ردّة الفعل الفورية، لا في الأثر البعيد.
وأصبحت بعض المشاريع الثقافية تُدار بعقلية «الموسم»، لا بعقلية البناء التراكمي الذي يحتاج سنوات حتى يصنع قيمته الحقيقية. حتى القارئ نفسه أصبح أسير هذا الإيقاع السريع.
ينتقل من كتاب إلى آخر، ومن فكرة إلى أخرى، حتى من قضية إلى غيرها، دون أن يمنح أي تجربة وقتها الكامل كي تنضج داخله، بذلك أصبحنا نعرف معلومات أكثر، لكننا نفهم أقل.
نستهلك أفكارًا كثيرة، لكن القليل منها يترك أثرًا حقيقيًا في وعينا.
والأخطر أن هذا التسارع خلق وهمًا ثقافيًا جديدًا؛ وهم الحضور المستمر، حتى بعض الأسماء تظن أنها ما دامت حاضرة يوميًا فهي مؤثرة، بينما التأثير الحقيقي لا يُقاس بكثرة الظهور، بل بقدرة الفكرة على البقاء بعد غياب صاحبها.
أيضاً تلك الكتب قديمة ما زالت تناقش حتى اليوم، لأن أصحابها لم يكتبوا ليملؤوا الفراغ المؤقت، بل كتبوا أسئلة الإنسان الكبرى؛ الخوف، السلطة، الحب، الهوية، العدالة، العزلة، معنى الحياة.
أما كثير من الخطاب السريع اليوم فيعيش داخل لحظته فقط، ولذلك يشيخ بسرعة هائلة.
لقد ساهمت المنصات الرقمية في تعميق هذه الأزمة بصورة غير مسبوقة. فالخوارزميات لا تكافئ دائمًا، بل الأكثر إثارة وقدرة على جذب الانتباه السريع.
وبمرور الوقت بدأت الثقافة نفسها تنجرف نحو العناوين الصادمة، والأفكار السريعة، والحرص دائم على إنتاج مادة قابلة للتداول السريع أكثر من كونها قابلة للبقاء، وقضية اليوم تُنسى غدًا، والجدل الذي يملأ المنصات يختفي بمجرد ظهور ضجة جديدة، وكأن الذاكرة فقدت قدرتها على الاحتفاظ بأي سؤال لفترة طويلة، حيث تكمن المشكلة الأعمق في المجتمعات التي تفقد ذاكرتها الثقافية التي تصبح أكثر قابلية للتكرار، وتعيد أخطاءها وتستهلك القضايا نفسها، وتدور داخل الضجيج ذاته، لأنها لا تبني تراكمًا معرفيًا حقيقيًا، فالثقافة ليست مجرد إنتاج مستمر، بل ذاكرة ممتدة.
وحين تضيع هذه الذاكرة، يتحول كل جيل إلى بداية مرتبكة لا تعرف ما الذي قيل قبلها، ولا ما الذي يجب أن يُبنى عليه، لهذا لا يكفي أن نطالب الناس بالقراءة فقط، بل يجب أن نعيد علاقتنا بالمعرفة نفسها، وأن نقرأ ببطء أحيانًا، وأن نمنح الأفكار وقتًا كي تعيش داخلنا، لا أن نمر عليها مرورًا سريعًا.
أيضًا نحتاج إلى إعادة الاعتبار للمشاريع الطويلة، لا للنجاحات اللحظية فقط، وإلى كاتب يبني تجربته بصبر، لا بمنطق الحضور اليومي القلق، وإلى مؤسسات ثقافية تدعم الأعمال التي تملك قيمة بعيدة المدى، لا تلك التي تصنع ضجة مؤقتة وتنطفئ.
كما أن على الخطاب الثقافي أن يتصالح مع العمق مجددًا، لا مع الاستهلاك السريع.
وليس كل ما ينتشر يبقى، وليس كل ما يلمع يصنع أثرًا.
الذاكرة الثقافية الطويلة لا تُبنى بالكثرة وحدها، بل بالأعمال التي تستحق العودة إليها مرة أخرى.
تلك الأعمال التي لا تنتهي بانتهاء قراءتها، بل تبدأ داخل الإنسان بعد الصفحة الأخيرة، وربما لهذا السبب تبقى بعض الكتب حيّة لعشرات السنين، بينما تموت آلاف النصوص فور انتهاء التصفيق.










































