اخبار السعودية
موقع كل يوم -صحيفة البلاد
نشر بتاريخ: ٧ تشرين الأول ٢٠٢٦
قال تعالى: (أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ). آية قصيرة في ألفاظها، عظيمة في دلالتها، تلفت الإنسان إلى مخلوق عاش قريبًا منه، حتى ربما حجبت الألفة عينيه عن التأمل في بديع خلقه. وليس عجيبًا أن تأتي الإبل في هذا السياق القرآني؛ فقد عرف العربي هذا المخلوق معرفة حياة ومعايشة، ورأى فيه قدرة عجيبة على احتمال بيئة الصحراء القاسية، والصبر على العطش والمسافات الطويلة، وحمل الأثقال والسير في أرض قد تعجز عن اجتيازها وسائل كثيرة.
فالجمل لم يكن مجرد دابة يركبها العربي، بل كان رفيق رحلة، ووسيلة نقل، ومصدر غذاء، وثروة يعتز بها صاحبها، وجزءًا من اقتصاد الصحراء وحياتها.
ومع ذلك، لا يزال هناك من يتحدث عن الجمل، وكأنه عنوان للفقر والتخلف، ويضيف إليه أحيانًا وصف «رعاة الغنم» وكأن الرعي سُبّة أو مهنة تستوجب الخجل!
وهنا تصبح المفارقة أشد عجبًا؛ فما الذي يعرفه هؤلاء عن تاريخ الإنسان، وعن تاريخ الأنبياء أنفسهم؟
لقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« ما بعث الله نبيًا إلا رعى الغنم»، وحين سأله أصحابه: وأنت؟ قال:« نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة».
فأي انتقاص يمكن أن يلحق بمهنة مارسها الأنبياء؟ وأي عاقل يرى في رعاية مخلوقات الله، والصبر عليها، وحمايتها والقيام على شؤونها موضعًا للعار؟
بل لعل في الرعي مدرسة مبكرة للصبر والمسؤولية واليقظة والرفق؛ فالراعي لا يقود قطيعه بالقوة وحدها، وإنما يعرف ضعيفه، ويحميه، ويبحث له عن الماء والمرعى، ويرده عن مواطن الخطر.
ولم تكن الإبل والأغنام في حياة العرب علامات فقر، بل كانت ثروةً واقتصادًا وأمنًا غذائيًا بمقاييس زمانها. وعلى ظهور الإبل قطعت القوافل الصحارى، ووصلت المدن بالأسواق، وانتقلت البضائع بين أطراف الجزيرة العربية وما حولها. وحين خلّد القرآن رحلة الشتاء والصيف فقد أشار إلى صفحة عريقة من تاريخ مكة التجاري.
والمثير للابتسام أن بعضهم يتمنى لأهل الخليج «العودة» إلى الإبل ورعي الأغنام، وكأننا غادرناها أصلًا!
لم نغادرها، ولن نخجل منها.
فأبناء الخليج الذين شيدوا المدن الحديثة، وركبوا الطائرات، واستثمروا في التقنية والصناعة والفضاء، ما زالوا يعتزون بالإبل، ويربون الأغنام، ويقيمون المهرجانات لموروثهم، وينفقون على اقتنائه وحفظه، لا اضطرارًا ولا فقرًا، وإنما حبًا واعتزازًا.وهنا تكمن المسألة كلها: بعض الناس يتصور أن الحضارة تعني أن يتبرأ الإنسان من ماضيه، بينما الأمم الواثقة لا تهدم تاريخها كي تثبت أنها متقدمة.
ولعل أجمل صورة للمملكة اليوم أنها تستطيع أن تجمع الجمل والغنم والصاروخ في مشهد حضاري واحد؛ تحفظ الأولين؛ باعتبارهما جزءًا من هويتها وذاكرتها، وتصنع بالثالث عنوانًا لطموحها ومستقبلها.
فلا الجمل أخّرنا، ولا رعي الغنم ينتقص منا، ولا الصحراء منعتنا من الوصول.
ومن يتمنى أن نعود إليها نقول له ببساطة: لم نغادرها حتى نعود! نحن نحفظ تاريخ أجدادنا، ونعتز بموروثنا، وفي الوقت ذاته نمضي إلى المستقبل بثقة؛ لأن التقدم لا يعني أن نمحو آثار أقدامنا في الصحراء، وإنما أن نعرف من أين بدأنا، وأن نعرف جيدًا إلى أين نريد أن نصل.
وستظل المملكة- بإذن الله- شامخة بماضيها وحاضرها، تحفظ تراثها وتبني مستقبلها، وتبرهن أن الأصالة والحداثة ليستا طريقين متعارضين.
فهنا وطن يرعى غنمه، ويعتز بإبله، ويصل إلى الفضاء.
(اللهم زد بلادنا عزاً ومجداً ونصراً، وزدنا بها عشقاً وفخراً وولاءً.)










































