اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٠ أب ٢٠٢٦
د. علي الخشيبان
الهدف الأقصى لهذا التحالف ليس صناعة تكتل عسكري عدواني أو مبادرة احتواء استراتيجي أو خطة هجومية ضد أحد الأطراف، بل الهدف الأسمى هو تعزيز الأمن الإقليمي وفتح المجال لمشاركة دول المنطقة.. فاتفاق مكة يهدف إلى أن يكون ركيزة للسلام والاستقرار يعيد تصميم الهيكل الأمني لإقليم الشرق الأوسط..
السؤال الاستراتيجي الأهم المرتبط باتفاق مكة للدفاع المشترك يقول إلى أي مدى كان الوضع الإقليمي في المنطقة يقف خلف ظهور هذه الاتفاقية.. في البداية يبدو بوضوح أن هذه الاتفاقية تهدف إلى إنشاء إطار دفاعي جماعي بين الدول الثلاث من خلال فكرة أساسية تقوم على أن أي هجوم مسلح ضد أي من الدول الأعضاء الثلاث يعتبر هجوما ضدها جميعاً، والحقيقة التي تظهر للجميع أن هذه الاتفاقية لا تشير إلى رغبة هذه الدول في بناء تكتل إقليمي بين هذه الدول، فالاتفاقية كما تبدو من معاييرها تضع مساحات مفتوحة للتوسع وخاصة من الدول الراغبة في تجربة هذه الاتفاقية التي تبدو للعالم مختلفة، فهي تجربة جريئة قادتها السعودية ومن أقدس البقاع على الأرض، بين دول شرق أوسطية تتجاوز في علاقاتها الثنائية الأبعاد التقليدية في التحالفات التي شهداتها المنطقة.
ثلاث دول هي في واقعها تمثل رؤس مهمة في مثلث هذا التحالف، فالسعودية وتركيا وباكستان، لديها المعطيات الاساسية لصناعة إتفاق قادر على الصمود أمام تحولات المنطقة التي تتعرض فعلياً لمحاولات مجدولة تاريخيا من اجل تعديل وتغيير واقعها الجيواستراتيجي، ولذلك فإن هذا الانجاز الذي حققته هذه الدول سيساهم في تغيير الكثير من القواعد الاستراتيجية في المنطقة، التي تعرضت للتهديدات الاقليمية بشكل متواتر خلال العقدين الماضيين، ومن هنا تبدو فكرة الاتفاقية مرتبطة بتعزيز الاستقرار الاقليمي الذي تتواجد فيه دول لم تتوقف عن طموحاتها في زعزعة الاستقرار في واحدة من اهم مناطق العالم.
حاجة الشرق الاوسط الى ولادة اتفاقية مكة بهذه الطريقة اكبر بكثير من تقييمها كواحدة من بين عشرات الاتفاقيات التي تمت في هذه المنطقة، هذه الاتفاقية تحمل في طياتها رغبة دولها الثلاث للإجابة على اسئلة استراتيجية مهمة حول طبيعة التحالفات التقليدية التي سادت المنطقة لعقود من خلال رغبة هذه الدول بإدخال بعض الاضافات المهمة والاساسية فيما يخص استقرار الشرق الاوسط الذي اصبح من المهم مشاركة دوله في صناعة استقراره.
هذه الاتفاقية لا تهدف كما في ميثاقها الى إجراء اي تعديلات على هيكلية التحالفات الاستراتيجية بين هذه الدول وحلفائها الإقليميين أو الدوليين، ولكن لابد من فهم أن هذه الاتفاقية تضع حدودا واضحة للكيفية التي يمكن من خلالها صناعة استقرار المنطقة مع الاستفادة الاستراتيجية من التحالفات التقليدة لتعزيز الاستقرار وبناء منظومة تعيد التفكير بطبيعة المنطقة ومستقبلها بعيدا عن السماح لإي دولة مهما كانت من العبث في استقرار المنطقة.
هذه الاتفاقية ستسمح لحلفاء المنطقة من الدول الكبرى بالعمل على إعادة تعريف دورها الاستراتيجي في المنطقة التي تتجه الى تحديد متطلبات امنها وإستقرارها من خلال تحالفات بين دولها الفاعلة، فالسعودية تشكل المحور الاهم عربيا وإسلاميا وإقتصاديا وجغرافيا، وباكستان تمتلك القوة الفعلية والدور الاستراتيجي بين قوى دولية كبرى -الصين وأمريكا- أما تركيا فهي فاعل صناعي في مجالات اساسية لدعم هذه الاتفاق كما انها قادرة على أن تحقق التوازنات السياسية بين المنطقة واهم حلف دولي فاعل على المستوى العالمي (حلف الناتو).
توقيع الاتفاق في مكة المكرمة يشكل اشارة مهمة الى أن هذا الاتفاق يمتلك القدرة على التأثير المباشر في منظومة دولية كبيرة –العالم الاسلامي- كما انه يشير الى صفحات طويلة من تاريخ العلاقات بين هذه الدول الثلاث بما تملكه من روابط تجمعها سواء تلك الروابط الاسلامية او المصالح الاستراتيجية المشتركة بينها، فالبيان الذي رافق هذه الاتفاقية يشير بوضوح الى ان هذه الدول الثلاث تتمنى ألا تضطر الى اختبار هذا الاتفاق وخاصة من قبل الدول الساعية الى زعزعة الاستقرار في المنطقة، البعد الاستراتيجي الاخر في هذه الاتفاقية يحقق مسارا مهما على المستوى الدولي حيث تحقق هذه الاتفاقية اهدافا ترددت في الإعلام الدولي من ضرورة ان تقوم دول المنطقة بالاعتماد على نفسها في تحقيق الاستقرار. ومن هنا فإن ولادة هذه الاتفاقية في هذا التوقيت تشكل منعطفا استراتيجيا لا يمكن تجاهله من الدول الكبرى في العالم وخاصة أمريكا.
هذه التحالف لا يلغي أي تحالفات قائمة إقليمياً بل يكملها ولا يستبدلها، فالهدف الأقصى لهذا التحالف ليس صناعة تكتل عسكري عدواني أو مبادرة احتواء استراتيجي أو خطة هجومية ضد أحد الأطراف، بل الهدف الأسمى هو تعزيز الأمن الإقليمي وفتح المجال لمشاركة دول المنطقة، فاتفاق مكة يهدف إلى أن يكون ركيزة للسلام والاستقرار يعيد تصميم الهيكل الأمني لإقليم الشرق الأوسط.










































