اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٤ أب ٢٠٢٦
د. ملحة عبدالله
مسرح التوثيق وسياسة الشهادة بعد صدمة الحروب الكبرى والإبادات، لم يعد الخيال كافيًا.. ظهر مسرح التوثيق مع بيتر فايس في 'التحقيق'، حيث قدم نصًا كاملًا من محاضر محاكمة أوشفيتز، والهدف هنا ليس مكانًا للفن، بل مكان للذاكرة..
في المسرح الحديث: حين أصبحت الخشبة سؤالاً لا جواباً، لم يعد المسرح في القرن الحادي والعشرين مكاناً للحكاية المغلقة، بل صار فضاءً مفتوحاً للسؤال الوجودي، كما قال بيتر بروك في كتابه 'الفضاء الفارغ': 'يمكنني أن آخذ أي فضاء فارغ وأسميه مسرحاً، شخص يعبر هذا الفضاء الفارغ بينما يراقبه شخص آخر، وهذا كل ما يحتاجه المسرح للقيام به'.
ومن هذا 'الفضاء الفارغ' انطلق المسرح الحديث ليكسر كل ما كان مقدساً: النص، والخشبة، والجمهور، وحتى تعريف 'الممثل' نفسه.
أولاً: موت المؤلف وصعود جسد الممثل، انتهى زمن الممثل الذي يحفظ دوره ويؤديه. في القرن المنصرم جاء جيرزي جروتوفسكي بمسرحه 'الفقير' ليعلن أن الممثل يجب أن يكون 'قديساً علمانياً'. في تجاربه ببولندا في الستينات نزع كل الديكور وكل المكياج وقال: 'الممثل لا يجب أن يمثل، بل أن يكشف نفسه'. ومن بعده أكملت أريان منوشكين في مسرح 'دو سولي' بباريس هذا الطريق. مسرحياتها التي تستمر 9 ساعات ليست عروضاً بل طقوساً، وهي أطول المخرجين عمراً 87 عاماً ولا تزال تعمل في المسرح.. تقول منوشكين: 'المسرح هو المكان الوحيد حيث يمكن للإنسان أن يرى نفسه من الخارج'، وهكذا تحول الجسد إلى لغة الرقص، والسقوط، والتنفس الثقيل صاروا هم النص.
ثانياً: تكسير الجدار الرابع وغزو الواقع، قال بيرتولت بريخت منذ زمن: 'لا أريد للجمهور أن يتعاطف، أريده أن يفكر'. فاخترع 'تغريب المشهد' ليكسر الوهم. لكن المسرح المعاصر ذهب أبعد، فلم يكتفِ بتكسير الجدار الرابع، بل هدم القاعة كلها.
في المسرح الغامر Immersive، وجدنا عروضاً مثل سليب نو مور 'Sleep No More' في نيويورك، حيث يتجول الجمهور في فندق من 5 طوابق ويختار أي ممثل يتبعه. لا يوجد مكانان للجلوس متشابهان.
وفي العالم العربي، قدمت المخرجة لولوة الملا في الكويت عروضاً داخل بيوت قديمة، وغيره قدم المسرح في قاعات غير تقليدية، فالفكرة واحدة: إذا كان العالم كله قد صار مسرحاً، فلماذا نحبس الفن؟
ثالثاً: مسرح التوثيق وسياسة الشهادة بعد صدمة الحروب الكبرى والإبادات، لم يعد الخيال كافياً. ظهر مسرح التوثيق مع بيتر فايس في 'التحقيق'، حيث قدم نصاً كاملاً من محاضر محاكمة أوشفيتز، والهدف هنا ليس مكاناً للفن، بل مكان للذاكرة.
واليوم يتصدر هذا الاتجاه السويسري ميلو راو –وهو من أهم مخرجي المسرح التوثيقي في العالم- الذي يقول: 'أنا لا أخرج مسرحاً، أنا أحاكم الواقع على الخشبة' لأنه يعرض ويحاكم جرائم الحرب على الخشبة. في عرض 'خمسة عصور سهلة' أعاد تمثيل جرائم الاستعمار بشهادات حقيقية.
وفي عالمنا العربي، قدم سعد الله ونوس هذا قبل الجميع. في 'طقوس الإشارات والتحولات من إخراج المخرجة السورية نضال الأشقر' لم يكتب حكاية، بل كتب ذاكرة شعب، فقال ونوس: 'المسرح هو الفن الذي لا يستطيع أن يكذب طويلاً'.
رابعاً: تعدد الروايات وتمرد المهمشين، فالمسرح الحديث توقف عن البحث عن 'البطل التراجيدي'، كما قالت كيت شوبن من خلال أعمال المخرجة كاثي ميتشل: 'لا توجد قصة واحدة، هناك ألف قصة تُروى في آن واحد' صعدت إلى الخشبة أصوات لم نسمعها من قبل. سوزان-لوري باركس الأمريكية السوداء أعادت كتابة التاريخ من وجهة نظر العبيد. سارة كين البريطانية مزقت اللغة لتعبر عن القلق والاكتئاب، وفي المشرق، قدم معين بسيسو وعزت السايس مسرحاً فلسطينياً لا يتحدث عن البطولة فقط، بل عن الانتظار والملل والمنفى اليومي، ولذا فالخشبة هي مكان للذين لا صوت لهم خارجها.
خامساً: المسرح كفعل مقاومة ضد السرعة في زمن التيك توك والتمرير السريع، وقف روبرت ويلسون وقال كلمته بالضوء والبطء. عروضه التي تمتد 7 ساعات بحركة بطيئة جداً هي إعلان حرب على اقتصاد الانتباه يقول ويلسون: 'أريد أن أبطئ الزمن حتى يرى الناس أفكارهم'، ونفس الروح عند أوجوستو بوال بمسرح 'المقهورين'. لم يقدم عرضاً، بل قدم ورشة. كان يسأل الجمهور: 'ما الذي يقهرك؟ وتعال نغير نهاية المشهد سوياً'. المسرح هنا سلاح، وأداة تغيير، وليس ترفيهاً.
ولذا نتساءل في زمن الشاشات: لماذا المسرح الآن؟ لأن الشاشة تعطيك كل شيء إلا شيئاً واحداً: الحضور.
قال يوجينيو باربا مؤسس 'الأودين تياتر': 'المسرح هو آخر مكان في العالم حيث يمكن للغرباء أن يتنفسوا نفس الهواء في نفس اللحظة'.
المسرح الحديث لا يعدك بالمتعة، بل يعدك بالمواجهة، مواجهة مع نفسك، مع الآخر، مع زمنك.. هو يذكرنا بجملة صمويل بيكيت الخالدة في 'في انتظار جودو': 'لا شيء يحدث، لا أحد يأتي، لا أحد يذهب، هذا فظيع'.
ولأن 'لا شيء يحدث' في العالم، فإن مجرد حدوث شيء حي على الخشبة أمامك يصبح معجزة، وتمرداً، وأملاً. المسرح اليوم لا يريد أن يجيبك، هو فقط يريد أن يجعلك تخرج من القاعة وتسأل: 'ومن أنا خارج هذا الضوء؟'.










































