اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٤ أيلول ٢٠٢٦
د. فهد إبراهيم البكر
لا أظن أنه يمكن أن يمرّ بنا يوم دون أن نسرد، أو نحكي، أو نقصّ، أو نسترجع شيئًا من ماضينا، أو نتحدث عن شيء من مستقبلنا، أو نصف ما حولنا، أو نصف لغيرنا، أو نتحاور مع ذواتنا، أو مع الآخرين. هكذا تبدو الحياة لدى كثير من الناس، إنها حكايةٌ تُروى، أو قصةٌ تُحكَى، أو سردٌ يَصِف، فيُسهِب ويُطنِب، أو يختصِر ويوجِز. ولطالما لجأ الإنسان إلى الحديث عن معاناته، أو ذكرياته، أو تجاربه في الحياة؛ ولهذا يُستخدَم السرد في كل مجالات الحياة وفنونها، وهو ليس حكراً على المهتمين بالأدب الروائي، أو القصصي، أو المسرحي، أو الذاتي، وإنما نجده في الأدب عموماً، وفي غيره، كالوعظ مثلاً، والتربية، والتاريخ، والتراجم، والإعلام، والسياسة، والتسويق، والفلسفة، والفنون، والعلاقات العامة، وفي صياغة الخطابات، والرسائل، وفي طرق تحفيز المشاعر، وتقويم الذات، وبناء القدرات، ومجالات أخرى عديدة.
ولئن ظهر السرد بوضوحٍ في مختلفِ المجالات المعرفية، وكثيرٍ من النصوص العلمية، والخطابات الاجتماعية، والكلام المتنوع، فإننا رأيناه وسيلة تواصلية ذات أثر فاعل، وهو أيضاً قد يكون أداة مهمة - وربما بليغة أحيانًا - في توضيح المعنى، وشرح الغامض، وتفسير المبهم، وإزالة الملتبس، ونقل التجربة، إضافة إلى تشويق المتلقي، أو ترسيخ بعض القيم، أو السلوكيات التي قد يحتاج إليها؛ لذا تعلو قيمة السرد في حياتنا بحسب حاجتنا إليه، وهي حاجة قد تفرضها الظروف، أو الأحداث، أو التفاصيل التي نمرّ بها في يومنا، وفي معاشنا، فالسرد حياة، وهو أسلوب عيش، وعادة يومية.
ويستعمل أكثرُ الناسِ السردَ بشكلٍ عفويٍّ وتلقائي، في جميع شؤون حياتهم اليومية، حيث يتواصلون فيما بينهم من خلال ذكر التفاصيل، وعرض الوقائع، ونقل الأخبار، وتبيين المواقف، وإبداء المشاعر والعواطف، واستعراض ما حدث معهم، أو ما يحدث معهم، أو ما يتوقعون أنه سيحدث؛ ولذلك السرد وظيفته من التشويق، والإمتاع، وتوصيل المعنى، ورسم الصور: المادية، أو المعنوية للأشخاص، والأماكن، والأشياء، ونحوها، بشكل قصصي يجعلها أكثر إقبالاً. وكما يقول الدكتور أحمد زكي: «ليس ألذّ في أحاديث الناس من قصة، وليس أمتع فيما يقرأ الناس من قصة، والعقول قد تخمد من تعب، ويكاد يغلبها النوم، حتى إذا قلت قصةً ذهب النوم، واستيقظت العقول، وأرهفت الآذان».
إننا نعيش حياتنا ضمن سرديات متنوعة، فالسرد مرتبط بوجود الناس، وذلك من أجل فهم واقعهم، ونقل تجاربهم، وتعزيز تواصلهم، ومن هنا كان وسيلة مهمة في تحويل ذلك الواقع الذي يعيشه الإنسان إلى حياة ذات معنى تتشكل من خلالها الأهداف والغايات. وهو مرتبط أيضاً بالزمن الذي هو أصل الحياة، إذ يمنحنا السرد قدرة على استرجاع ما مضى، والتعايش مع الحاضر، واستشراف ما يأتي؛ ولذلك يظل السرد جزءًا ممتداً من حياتنا، لا يكاد أن يفارقنا، منذ الولادة إلى آخر لحظة نعيشها، حتى بعد فراق هذه الدنيا قد يصبح كثير منا سرداً يُروى، وذلك في ذكر مآثره، أو الترحم عليه، أو استعادة ذكرياته.
إننا - إذن - أمام سرديات عديدة، يتشكّل بها عالمنا، وتتحدّد بواسطتها تفاصيل حياتنا، فليس السرد مجرد قضية نقدية، أو اتجاهاً معرفيّاً فحسب، أو علماً - كما يراه الناقد الفرنسي (تزفيتان تودوروف Tzvetan Todorov) – أو كما يقول: نوع أدبي لا يُقرأ إلا في الروايات والقصص، ونحوها، وإنما هو بنية أساسية تشكّل طريقة فهمنا للعالم، وتعاطينا مع الآخر، وهو أيضاً - على حد وصف (تودوروف) - جزء لا يتجزأ من حياتنا اليومية.










































