اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٧ شباط ٢٠٢٦
د. نجوى الكحلوت
«الإعجاز القرآني وأثره
على مقاصد التنزيل الحكيم»
ثمة كتبٍ نبدؤها من الصفحة الأولى، وأخرى تبدأ معنا قبل الشروع في القراءة، كتبٌ تصلنا محمولةً بمعنى يسبق الحبر، وبقصةٍ تُمهّد للفكرة، فيصبح التلقي فعلَ وفاءٍ بقدر ما هو فعل معرفة.
هكذا كان لقائي بكتاب «الإعجاز القرآني وأثره على مقاصد التنزيل الحكيم» للدكتورة رجاء عودة -رحمها الله- لم يصلني عملًا علميًّا مجردًا، بل جاءني هديةً من ابنتها (أروى)، في مشهدٍ تختلط فيه المعرفة بالبرّ، والعلم بالامتنان. شعرتُ منذ اللحظة الأولى أنني لا أتلقى كتابًا فحسب، بل أثرًا ممتدًا لجهدٍ أخلصت فيه أمّ، ووفاءً حملته يد ابنة بارة. ومن هنا بدأت القراءة… من الشعور قبل الفكرة.
ينتمي الكتاب الصادر في طبعته الأولى عام 2003م، إلى حقل الإعجاز القرآني، وهو ميدانٌ ثريٌّ طال فيه النظر قديمًا وحديثًا، غير أن ما يميّز هذا العمل أنه لا يقف عند حدود البيان، ولا يكتفي بإبراز وجوه التفوق اللغوي، بل يتجه إلى سؤالٍ أعمق: كيف يخدم الإعجاز مقاصد التنزيل الحكيم؟
يؤكد الكتاب على أن الإعجاز ليس ظاهرةً جمالية معزولة، ولا تحديًّا لغويًّا قائمًا بذاته، وإنما هو جزء من منظومة الهداية التي جاء القرآن لتحقيقها. فالبنية اللغوية، والنظم، ودقة اختيار المفردة، والتصوير البلاغي؛ كلها عناصر تتكامل لتشييد مقصدٍ يوجّه الإنسان في فهمه ووعيه وسلوكه.
ويبرز في ثنايا الكتاب ربطٌ دقيق بين: تطوّر مفهوم الإعجاز في التراث، وتحليل البنية اللغوية والمقصد القرآني، واستجلاء أثر ذلك كله في بناء مقاصد الوحي.
وهنا وجدتُ صدىً للمسار التأملي الذي أبحث فيه؛ العناية باللفظ القرآني في علاقته بالعربية، والنظر إلى الكلمة باعتبارها حاملًا للمقصد، ومفتاحًا لفهم الإعجاز من داخله، قبل أن تكون وحدةً لغويةً في سياقٍ تعبيري.
بعد أن أغلقتُ الكتاب، بقي في نفسي معنى يتجاوز مادته العلمية؛ أن ما يُكتب بإخلاصٍ يتحول إلى أثر، وأن المعرفة حين تقترن بالنية الصادقة تمتدّ في حياة الآخرين بطرقٍ لا نتوقعها.










































