اخبار الاردن
موقع كل يوم -سواليف
نشر بتاريخ: ١ أيلول ٢٠٢٦
#سواليف – خاص
يبرز ملف الطاقة في الأردن كواحد من أكثر الملفات ارتباطًا بالأزمة الاقتصادية، في ظل امتلاك المملكة ثروات وإمكانات طبيعية كبيرة، مقابل استمرار ارتفاع كلفة الطاقة وانعكاساتها المباشرة على المواطنين ومختلف القطاعات الاقتصادية والإنتاجية.
ويشير الطرح المتعلق بملف الطاقة إلى أن الأردن يمتلك مخزونًا كبيرًا من الغاز في حقل الريشة، واحتياطيًا من الصخر الزيتي، إضافة إلى نحو 12 مليار طن من رمل السيليكا بنقاوة تصل إلى 99%، وهي موارد يمكن أن تشكل قاعدة لصناعات استراتيجية، خصوصًا في مجال الطاقة المتجددة والصناعات المرتبطة بها.
ويُطرح كذلك أن حقل الريشة يضع الأردن ضمن الدول ذات الاحتياطيات المهمة من الغاز، فيما يمثل الصخر الزيتي أحد أبرز الموارد الطبيعية التي يمكن استثمارها في مجال الطاقة، إلى جانب رمل السيليكا الذي يمكن أن يشكل مدخلًا لصناعة الخلايا الشمسية ومكونات الطاقة المتجددة، بدل الاكتفاء بتصدير المواد الخام أو إبقائها خارج دائرة الاستثمار الصناعي.
وفي المقابل، يعاني المواطن الأردني من فاتورة الكهرباء والطاقة، بينما تواجه قطاعات الصناعة والزراعة والمياه والسياحة ومختلف القطاعات الاقتصادية كلفة مرتفعة للطاقة، ما ينعكس على كلفة الإنتاج والتشغيل، وعلى قدرة المنتجات الأردنية على المنافسة، فضلًا عن أثر ذلك في أسعار السلع والخدمات.
وتزداد أهمية هذا الملف في ظل تحول الطاقة إلى محور عالمي للتنافس الاقتصادي، حيث تسعى الدول إلى تأمين مصادر الطاقة وتنويعها وتطوير صناعاتها المرتبطة بها، باعتبار الطاقة عنصرًا أساسيًا في الأمن الاقتصادي والاستثمار والإنتاج والتشغيل.
وفي الأردن، يطرح ملف الطاقة تساؤلات حول مستوى التخطيط والاستثمار في الموارد الوطنية، ومدى وجود استراتيجية اقتصادية طويلة المدى قادرة على تحويل الثروات الطبيعية إلى قيمة مضافة وفرص عمل وإيرادات، بدل استمرار الاقتصاد في تحمل كلفة الطاقة المرتفعة.
وتبرز هنا الحاجة إلى إعادة النظر في طريقة التعامل مع الموارد الطبيعية، بحيث لا يقتصر الأمر على استخراج المادة الخام، وإنما يمتد إلى إنشاء صناعات متكاملة حولها. فرمل السيليكا، على سبيل المثال، يمكن أن يكون أساسًا لسلسلة صناعات مرتبطة بالطاقة الشمسية، وصولًا إلى تصنيع الخلايا الشمسية ومكوناتها، بما يرفع القيمة المضافة ويخلق فرصًا استثمارية وتشغيلية.
كما أن استثمار الغاز في حقل الريشة والصخر الزيتي، وفق دراسات وخطط اقتصادية واضحة، يمكن أن يساهم في تعزيز أمن الطاقة وخفض كلفتها، شريطة أن يتم ذلك ضمن رؤية وطنية شفافة توازن بين الجدوى الاقتصادية وحماية الموارد والمصلحة العامة.
ولا يتعلق ملف الطاقة فقط بما يدفعه المواطن من فاتورة شهرية، بل يمتد أثره إلى كامل الدورة الاقتصادية؛ فارتفاع أسعار الطاقة يزيد كلفة المصانع، ويرفع كلفة الإنتاج الزراعي، ويزيد أعباء قطاع المياه، ويرفع تكاليف تشغيل المنشآت السياحية والخدمية، ما يؤدي في النهاية إلى التأثير في الأسعار وفرص الاستثمار والتوظيف.
ومن هنا، فإن ملف الطاقة يرتبط بصورة مباشرة بملفات البطالة والفقر وتدني دخل الأسرة والفرد. فاقتصاد مرتفع الكلفة يجد صعوبة في خلق فرص عمل جديدة، بينما يؤدي ضعف الاستثمار في القطاعات الإنتاجية إلى استمرار الاعتماد على قطاعات محدودة القدرة على استيعاب الأعداد المتزايدة من الباحثين عن العمل.
ويذهب الطرح إلى أن ملف الطاقة أصبح عنوانًا لحاجة الأردن إلى هوية اقتصادية واضحة تقوم على الإنتاج واستثمار الثروات الوطنية والاعتماد على الذات، بدل الاستمرار في إدارة الأزمات الاقتصادية من خلال حلول قصيرة المدى.
فالأردن يمتلك موارد وإمكانات يمكن البناء عليها، لكن تحويل هذه الإمكانات إلى قوة اقتصادية يتطلب قرارًا استراتيجيًا، واستمرارية في السياسات، وشفافية في إدارة الموارد، وربط ملف الطاقة بالصناعة والزراعة والمياه والنقل والسياحة والتكنولوجيا.
ويبقى السؤال الأبرز: إلى متى يبقى الأردن مشروعًا لدولة المناصب وتدوير الأسماء، بدل أن يكون دولة العقل والإنتاج وتقديم الحلول؟
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في امتلاك الموارد فقط، وإنما في القدرة على تحويلها إلى إنتاج، وخفض كلفة الطاقة، وخلق فرص العمل، وزيادة دخل الأسر، وتحقيق قيمة مضافة داخل الاقتصاد الوطني.
فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى الانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء اقتصاد إنتاجي، يجعل من الثروات الوطنية والطاقة قاعدة للنمو، لا مجرد موارد غير مستغلة وفواتير يتحمل المواطن والاقتصاد تبعاتها.












































