اخبار الاردن
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ١٢ تشرين الأول ٢٠٢٦
عمون - استمرت الهواتف التقليدية القابلة للطي في اليابان فترة أطول مما استمرت في الولايات المتحدة وأسواق أخرى، بفضل منظومة تقنية محلية مميزة جعلتها جزءاً من الحياة اليومية لعقود.
لكن هذا الإرث بدأ يتلاشى مع انتشار الهواتف الذكية، وتوقف شبكات الجيل الثالث، وتغير عادات المستهلكين.
فمن المرجح أنك لم تعد ترى هاتفاً تقليدياً قابلاً للطي في الاستخدام اليومي منذ سنوات. فقد انتهى إلى حد كبير العصر الذي اشتهرت فيه أجهزة مثل Motorola RAZR والهواتف المشابهة ذات التصميم الصدفي.
لكن اليابان، بفضل نظامها التقني الفريد، حافظت على هذه الأجهزة لفترة أطول بكثير، بحسب تقرير نشره موقع 'engadget'.
وتُعرف هذه الهواتف في اليابان باسم 'غاراكي'، وهو اختصار لعبارة 'غالاباغوس كيتاي'، وتشير إلى الهواتف المحمولة التقليدية ذات لوحات المفاتيح الفعلية، التي قاومت الاختفاء رغم الانتشار الواسع للهواتف الذكية ذات الشاشات الكبيرة.
ويعود مصطلح 'غالاباغوس' إلى جزر غالاباغوس المعزولة في المحيط الهادئ، في إشارة إلى الطبيعة المنعزلة والمختلفة للنظام التقني الياباني، بينما تعني كلمة 'كيتاي' الهاتف المحمول.
وفي مرحلة معينة، باعت شركات الاتصالات اليابانية أعداداً كبيرة من هذه الهواتف الأساسية، ما شجع شركات مثل 'كيوسيرا' على تطوير أجهزة هجينة عُرفت باسم 'غاراهو'، جمعت بين التصميم الصدفي التقليدي ونظام أندرويد والاتصال بشبكات الجيل الرابع.
لكن عادات المستهلكين تتغير. فقد أظهر استطلاع أجرته شركة الاتصالات اليابانية 'دوكومو' أن الهواتف الذكية كانت تمثل 90% من مستخدمي الهواتف المحمولة في اليابان عام 2021، قبل أن ترتفع النسبة إلى 98% بحلول عام 2025.
كما انخفضت شحنات الهواتف التقليدية بأكثر من 25% لتقل عن 400 ألف وحدة خلال النصف الأول من السنة المالية 2025، وفقاً لمعهد MM للأبحاث.
ويبدو أن هذا التراجع البطيء مرشح للتسارع بعد أن أوقفت شركة الاتصالات اليابانية NTT Docomo خدمة بيانات الجيل الثالث المتبقية في البلاد خلال مارس الماضي.
فلماذا أصبحت هذه الهواتف مهددة بالاختفاء؟ وكيف تحولت من جزء أساسي من الحياة اليومية اليابانية إلى أجهزة تنتمي إلى الماضي؟
ويرى كثيرون أن انتشار هواتف 'غاراكي' يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالثقافة اليابانية، إذ لم تكن مجرد نسخ تقليدية من الهواتف القابلة للطي التي انتشرت في الأسواق الأخرى، بل امتلكت خصائص متقدمة ومميزة في وقتها.
فإلى جانب متانة التصميم ولوحات المفاتيح الملموسة، كانت بعض هذه الهواتف قادرة على استقبال البث التلفزيوني عبر تقنية One-Seg، كما أتاحت مشاركة معلومات الاتصال باستخدام أجهزة إرسال الأشعة تحت الحمراء، قبل ظهور ميزة NameDrop من 'أبل' بسنوات طويلة.
وتميزت هذه الأجهزة أيضاً بتصميمات لافتة وألوان زاهية، فضلاً عن فتحات مخصصة لتعليق الحبال والسلاسل والإكسسوارات المختلفة، وهي تفاصيل منحتها طابعاً جمالياً خاصاً لدى المستخدمين اليابانيين.
وكانت معظم هواتف 'غاراكي' تدعم شبكات الجيل الثالث، ما أتاح تشغيل تطبيقات بسيطة لا تستهلك كميات كبيرة من البيانات.
كما تضمنت بعض الأجهزة شرائح إلكترونية تسمح باستخدام الهاتف في دفع تكاليف رحلات القطارات وشراء البقالة.
وجعلت هذه الإمكانات، إلى جانب عقود الاتصالات منخفضة التكلفة، الهواتف التقليدية جزءاً عملياً من الحياة اليومية في اليابان، بدلاً من أن تكون مجرد وسيلة لإجراء المكالمات وإرسال الرسائل النصية.
وفي الولايات المتحدة أيضاً، حاولت شركات استغلال الحنين إلى الماضي واهتمام بعض أفراد الجيل Z بالهواتف القابلة للطي.
ومن الأمثلة على ذلك هاتف Light Flip المرتقب، الذي لا ينتمي إلى فئة 'غاراكي' اليابانية، لكنه يستهدف المستخدمين الراغبين في تجربة هاتف قابل للطي يحد من المشتتات الرقمية.
ولا تزال هواتف 'غاراكي' التقليدية من شركتي 'كيوسيرا' و'شارب' متاحة للبيع عبر منصات مثل 'إيباي'، لكن كثيراً منها لا يدعم نطاقات تردد شبكات الجيل الرابع LTE اللازمة للعمل مع شركات الاتصالات الأميركية، ما يحد من إمكانية استخدامها هناك.
وكان إنهاء خدمات الإنترنت المحمول عبر الجيل الثالث أحد أبرز العوامل التي دفعت هواتف 'غاراكي' نحو الاختفاء.
ووفقاً لصحيفة 'ذا غارديان'، يُتوقع أن يؤثر إيقاف خدمة i-mode، وهي خدمة الإنترنت المحمول التي قدمتها دوكومو عبر شبكة الجيل الثالث، على نحو نصف مليون شخص وأكثر من 400 طراز من الهواتف في اليابان.
ولا تقتصر تداعيات القرار على الهواتف المحمولة، إذ يمكن أن يؤثر أيضاً في أنظمة الملاحة داخل السيارات وآلات البيع الآلية في البلاد، التي لا يزال بعضها يعتمد على تقنيات اتصال قديمة.
وجاء قرار 'دوكومو' ليشكل ضربة جديدة لهذه الفئة من الأجهزة، بعدما أنهت شركتا الاتصالات اليابانيتان 'au' و'سوفت بنك' خدمات الجيل الثالث لديهما في عامي 2022 و2024 على التوالي.
ومع اختفاء الشبكات التي صُممت هذه الهواتف للعمل عليها، أصبح الاحتفاظ بها أكثر صعوبة، حتى بالنسبة إلى المستخدمين الذين يفضلون بساطتها ولا يحتاجون إلى إمكانات الهواتف الذكية المتقدمة.
ويمثل التقدم في العمر داخل المجتمع الياباني عاملاً آخر في هذا التحول. ففي عام 2024، بلغت نسبة السكان الذين تبلغ أعمارهم 65 عاماً أو أكثر نحو 29% من إجمالي السكان، وفقاً للمنتدى الاقتصادي العالمي.
ويفرض هذا التغير الديموغرافي تحديات متزايدة على الاقتصاد الياباني والخدمات المقدمة لكبار السن، كما يؤثر في الطريقة التي يستخدم بها المجتمع التكنولوجيا.
وقد أسهمت المخاوف المتعلقة بعزلة كبار السن وحالات الوفاة التي تحدث دون أن يلاحظها أحد لفترات طويلة في إعادة النظر في دور الهواتف المحمولة والتقنيات الرقمية في حياتهم اليومية.
وفي محاولة لتعزيز المهارات الرقمية لدى كبار السن، أفاد موقع 'جابان توداي' بأن سلطات العاصمة طوكيو وزعت 3 آلاف هاتف ذكي على مواطنين مسنين في عام 2021.
وتعكس هذه المبادرات توجهاً نحو تشجيع كبار السن على استخدام الهواتف الذكية، والاستفادة من خدمات الاتصال والتطبيقات الحديثة، بدلاً من الاعتماد على الأجهزة التقليدية التي أصبحت إمكاناتها محدودة.
ورغم تراجع الهواتف التقليدية، اتجه بعض مستخدمي الجيل Z إلى الهواتف الأساسية في محاولة لاستعادة قدرتهم على التركيز وتقليل الوقت الذي يقضونه أمام الشاشات.
لكن هذا التوجه يصطدم بواقع تقني يجعل العودة إلى الهواتف القديمة أكثر صعوبة، إذ سيضطر كثير من المستخدمين إلى الانتقال مجدداً إلى الهواتف الذكية إذا أرادوا الحفاظ على اتصالهم بالإنترنت والاستفادة من الخدمات الرقمية المتاحة.
وترى 'دوكومو' في هذا التحول فرصة لتوسيع قاعدة مستخدمي الهواتف الذكية، إذ تروج لفصول تدريبية داخل متاجرها لتعليم العملاء كيفية استخدام هذه الأجهزة والتعامل مع وظائفها المختلفة.
وتشمل الدروس أساسيات تصفح الإنترنت والتحكم في الهاتف باستخدام الإيماءات، وهي مهارات قد تساعد المستخدمين على الانتقال من الهواتف التقليدية إلى الأجهزة الحديثة.
لكن هذا الانتقال يحمل جانباً آخر؛ فمع اكتساب المستخدمين مهارات التعامل مع الهواتف الذكية، قد يصبحون أكثر عرضة للانغماس في التصفح المستمر لمحتوى وسائل التواصل الاجتماعي، والاعتماد المتزايد على هذه الأجهزة الصغيرة التي تحولت إلى حواسيب متكاملة في الجيب.
وبذلك، تقترب اليابان من نهاية حقبة تقنية امتدت لعقود، نشأ خلالها جيل كامل وهو يستخدم الهواتف التقليدية للتواصل مع العالم.
ومع تراجع شبكات الجيل الثالث وتغير عادات الاستخدام، يبدو أن هواتف 'غاراكي' التي صمدت طويلاً أمام انتشار الهواتف الذكية باتت تواجه أيامها الأخيرة.
العربية












































