اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٦ تموز ٢٠٢٦
خالد بن علي المطرفي
تراهن المملكة خلال السنوات المقبلة على أن يصبح التعدين أحد أهم محركات النمو الاقتصادي، إلى جانب الصناعة والطاقة والخدمات اللوجستية، وهو ما يعني أن وجود سوق محلية متخصصة لتداول مشتقات السلع والمعادن يعد جزءًا من البنية المؤسسية التي تحتاج إليها هذه القطاعات للنمو..
لا يتعلق السؤال الحقيقي في قرار هيئة السوق المالية فتح باب الترخيص لإنشاء سوق لتداول مشتقات السلع والمعادن بإضافة نشاط مالي جديد إلى السوق السعودية، بقدر ما يتعلق بطبيعة الدور الذي يُراد للسوق المالية أن تؤديه في المرحلة المقبلة من التحول الاقتصادي.
فمع انتقال المملكة إلى نموذج اقتصادي أكثر تنوعًا، لم يعد كافيًا أن تقوم السوق المالية بدور الوسيط بين المدخرات والاستثمارات، وإنما أصبحت مطالبة بأن تتحول إلى منصة قادرة على خدمة القطاعات الإنتاجية، وتعزيز تنافسيتها، وربطها بالأسواق العالمية، ومن هذا المنظور، يمكن النظر إلى الخطوة الأخيرة للهيئة باعتبارها مؤشرًا على تحول أوسع في فلسفة بناء الأسواق، فالقضية ليست إنشاء سوق لتداول مشتقات السلع والمعادن بحد ذاته، وإنما بناء منظومة مالية أكثر عمقًا، تمنح الاقتصاد الوطني أدوات متقدمة لإدارة المخاطر، وتوفير آليات تسعير أكثر كفاءة، وتعزيز قدرة الشركات الوطنية على التحوط ضد تقلبات الأسواق العالمية، وهو ما يمثل أحد العناصر الرئيسة في الاقتصادات المتقدمة.
ولعل أهمية هذا التحول تتجاوز القطاع المالي إلى الاقتصاد الحقيقي نفسه، فالمملكة تراهن خلال السنوات المقبلة على أن يصبح التعدين أحد أهم محركات النمو الاقتصادي، إلى جانب الصناعة والطاقة والخدمات اللوجستية، وهو ما يعني أن وجود سوق محلية متخصصة لتداول مشتقات السلع والمعادن يعد جزءًا من البنية المؤسسية التي تحتاج إليها هذه القطاعات للنمو، بما يوفر لها أدوات تمويل وتحوط وتسعير تتوافق مع حجم الاستثمارات المتوقعة فيها.
كما أن الاقتصادات الكبرى لم تصل إلى مكانتها المالية عبر تنوع المنتجات الاستثمارية فحسب، وإنما من خلال قدرتها على بناء أسواق متخصصة تخدم قطاعاتها الإنتاجية، ولذلك، فإن القيمة الحقيقية لهذا المشروع تكمن في عدد العقود التي ستُتداول أو حجم السيولة التي ستدخل السوق في بداياتها، وقدرته على تحويل السوق المالية إلى شريك في التنمية الاقتصادية، بدلاً من بقائها منصة لتداول الأصول التقليدية.
ويكتسب القرار أهمية إضافية إذا ما قُرئ في سياق سلسلة من التحولات التي شهدها القطاع المالي خلال الأعوام الماضية، سواء من حيث تحديث الأنظمة والتشريعات، أو توسع مجموعة تداول السعودية في استثماراتها الإقليمية، أو تطوير البنية التنظيمية للأسواق المالية، لذا، يمكن القول إن هذه الخطوات لا تبدو منفصلة عن بعضها، وإنما تعكس توجهًا متدرجًا نحو بناء سوق مالية أكثر تنوعًا وارتباطًا بالاقتصاد العالمي، وقادرة على استيعاب فئات جديدة من الأصول والمنتجات الاستثمارية.
وفي جانب آخر، يحمل المشروع بعدًا سياديًا لا يقل أهمية عن بعده الاقتصادي، إذ إن امتلاك سوق محلية لتداول مشتقات السلع والمعادن يمنح المملكة دورًا أكبر في عمليات التسعير الإقليمي، ويعزز قدرتها على استقطاب المستثمرين والمؤسسات المالية العالمية، خصوصًا في ظل ما تمتلكه من مقومات تجعلها أحد أهم مراكز إنتاج وتصدير المعادن والطاقة والخدمات اللوجستية في المنطقة.
ومن هنا، فإن نجاح هذه المبادرة يرتبط بقدرتها على أن تصبح جزءًا من منظومة اقتصادية متكاملة، تتداخل فيها السياسات المالية والصناعية والاستثمارية، بما يعزز كفاءة تخصيص رأس المال، ويرفع تنافسية الاقتصاد الوطني، ويدعم مستهدفات رؤية المملكة 2030 في بناء اقتصاد أكثر تنوعًا، وأسواق مالية أكثر عمقًا، ومكانة دولية أكثر تأثيرًا في حركة التجارة والاستثمار.. دمتم بخير.










































