اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٩ أيلول ٢٠٢٦
عبدالله مغرم
في كل مرحلة اقتصادية، كان هناك مورد يعيد ترتيب موازين القوة. الأرض صنعت نفوذ المجتمعات الزراعية، والطاقة دفعت الثورة الصناعية، والبيانات شكّلت أساس الاقتصاد الرقمي. أما في عصر الذكاء الاصطناعي، فتبرز وحدة أصغر بكثير، لكنها لا تقل أثراً وهو التوكن.
التوكن ببساطة هو جزء صغير من النص أو الصورة أو التعليمات التي يقرأها نموذج الذكاء الاصطناعي ويُنتج على أساسها. قد يبدو تفصيلاً تقنياً لا يعني إلا المطورين، لكنه أصبح في الواقع وحدة جديدة للقدرة. فكل تقرير يحلله النظام، وكل عقد يراجعه، وكل محادثة يديرها، وكل محتوى ينشئه، يمر عبر توكنات تُستهلك وتتحول إلى نتيجة.
لا توجد حتى الآن، وفق البيانات العامة المتاحة، جهة تنشر رقماً موحداً لاستهلاك التوكنات عالمياً. فالسوق موزع بين شركات ومنصات ونماذج متعددة. ومع ذلك، تقدم بعض المنصات التي تجمع هذا التنوع مؤشراً واضحاً إلى حجم التحول. فعلى سبيل المثال، تتيح منصة (OpenRouter) الوصول إلى أكثر من 500 نموذج من مزودين مختلفين، وتعالج أكثر من 500 تريليون توكن شهرياً. لا يمثل هذا الرقم السوق العالمي كله، لكنه يكشف أن الذكاء الاصطناعي أصبح بنية تشغيلية واسعة تدار عبرها المعرفة والقرارات والإنتاج على نطاق غير مسبوق.
لذلك لا يمكن اختزال التوكن في بند ضمن فاتورة تقنية. فهو يقيس مقدار العمل المعرفي الذي تستطيع مؤسسة أو دولة تشغيله في وقت محدد. وحين يتمكن فريق صغير من تحليل آلاف الصفحات، أو إعداد سيناريوهات لقرار معقد، أو خدمة ملايين العملاء بلغات مختلفة، فإن ما تغيّر ليس عدد الموظفين فقط، وإنما حدود القدرة الممكنة.
وهنا تبدأ المعركة الجديدة. فهي ليست منافسة بين من يملك نموذجاً أكبر أو تطبيقاً أكثر جاذبية، وإنما بين من يملك القدرة على تحويل الذكاء الاصطناعي إلى إنتاجية وقرار وقيمة عامة. تتنافس الدول والشركات اليوم على الحوسبة والطاقة والرقائق والبيانات والمهارات، غير أن التحدي الأهم يكمن في توجيه هذه القدرة نحو القطاعات التي تصنع المستقبل، مع حماية الخصوصية والالتزام بمعايير الأمن السيبراني.
الفرق كبير بين استخدام التوكنات لإنتاج محتوى عابر، وتوظيفها في تطوير التعليم والرعاية الصحية والخدمات الحكومية والصناعة والبحث العلمي. في الحالة الأولى تُستهلك القدرة. وفي الثانية تبنى قدرة مؤسسية متراكمة.. لذلك فإن معيار القياس الحقيقي هو قدرة المنظمة على تحويل هذا الاستخدام إلى أثر واضح وقابل للقياس.
اقتصاد التوكن ليس اقتصاد الكلمات، وإنما اقتصاد القدرة. وفي السنوات المقبلة، ستكون الأفضلية لمن يجيد استخدام هذه القدرة، ويعظّم أثرها، ويرفع كفاءة استخدامها دون التفريط في الموثوقية والأمان والتكلفة.










































